طلب رجل أعمال مليونير من ابنه الصغير أن يختار له زوجة جديدة من بين خمس سيدات جميلات
تقدم مراد بخطوات ثقيلة نحو سلمى، كانت نبضات قلبه تتسارع وكأن جدران القصر الفاخر تضيق عليه، نظر إلى الصورة التي كانت تمسكها بيد مرتجفة، فرأى وجه السائق الراحل "عبد الهادي"، الرجل الذي تذكر ملامحه جيدًا رغم مرور السنين، الرجل الذي ألقى بجسده فوق مراد الصغير عندما انقلبت السيارة بسببهما، ليموت هو ويخرج مراد بخدوش بسيطة. التفت مراد إلى والدته، الحاجة فاطمة، وعيناه تملؤهما تساؤلات حارقة وعتاب مرير، وقال بصوت مخنوق: "أمي.. أنتِ قلتي لي إنه مقطوع من شجرة، قلتي إنك عوضتِ عائلته بالمال ولم يكن له أحد، كيف تكون سلمى ابنته؟ وكيف عاشت يتيمة وتعمل خادمة في بيوت الناس ونحن نعيش في هذا النعيم بفضل تضحية أبيها؟".
انفجرت الحاجة فاطمة بالبكاء، وانهارت على أقرب مقعد وهي تخفي وجهها بكفيها، ثم قالت بصوت متهدج: "سامحني يا بني.. عندما مات عبد الهادي، عرفت أن زوجته كانت مريضة في المستشفى وتوفيت بعده بأيام من الصدمة، ولم يبقَ سوى طفلته الصغيرة سلمى التي أخذها أقاربها إلى الفيوم. أرسلت معهم أموالاً طائلة لتأمين مستقبلهما، لكن طمع الأقارب جعلهم يأخذون المال ويلقون بالطفلة في ملجأ للأيتام دون علمي. ولم أكتشف هذه الحقيقة
نظرت سلمى إلى الحاجة فاطمة وعيناها تفيضان بالدموع، وقالت بنبرة تجمع بين الكبرياء والألم: "أنا لم يخبرني أحد في الملجأ من أكون، حتى كبرت ووجدت بين أوراق ملجأي القديم رسالة من أبي مرسلة لأمي قبل وفاتهما بأيام، يذكر فيها أنه يعمل عند عائلة الشافعي وأنه سعيد لأنهم يعاملونه كفرد منهم. عندما تخرجت وبدأت أبحث عن عمل، قادتني الأقدار إلى هذا القصر، لم أكن أنوي الانتقام، بل كنت أريد فقط أن أرى العائلة التي ضحى أبي بحياته من أجلها.. كنت أريد أن أعرف هل استحق مراد الشافعي تلك التضحية أم لا؟ ولم أكن أعلم أن طفلك الصغير هو من سيعيد لي حقي دون أن يقصد".
في تلك اللحظة، انصرفت النساء الخمس بهدوء بعد أن أدركن أن المشهد أكبر بكثير من مجرد اختيار زوجة، وأن القناع قد سقط عن الجميع. اقترب مراد من سلمى، وبحركة مليئة بالاحترام والندم، انحنى وقبل رأسها أمام والدته وابنه، ثم قال وعيناه تلمعان بالدموع: "أنا مدين بحياتي لوالدك، ومدين بحياة ابني
مرت الأيام والشهور، وتغيرت أحوال القصر تمامًا. اختفت النبرة الآمرة والرسمية، وحلت مكانها ضحكات ياسين التي كانت تملأ الأرجاء وهو يلعب مع سلمى التي رفضت أن تجلس بلا عمل، فقررت بإصرار منها ومن مراد أن تدير الشؤون الإنسانية والخيرية لمؤسسات الشافعي، مستغلة شهادتها الجامعية التي كافحت لأجلها. ومع الوقت، كان مراد يراقبها وهي تعيد الدفء والروح إلى بيته وحياة ابنه، وشعر بأن مشاعره البدائية نحوها كـ "دين" قد تحولت إلى إعجاب شديد بأخلاقها، ونقائها، وقوتها.
بعد مرور عام كامل، وفي يوم ميلاد ياسين السابع، جلس الجميع حول طاولة بسيطة صنعوا عليها الكعك بأيديهم، ونظر ياسين إلى أبيه ثم إلى سلمى وقال ببراءته المعهودة: "بابا.. أنا طلبت منك طلب السنة اللي فاتت ونفذته وسلماي فضلت معانا،
التفت مراد إلى سلمى، وارتسمت على وجهه ابتسامة صادقة نابعة من أعماق قلبه، ثم أخرج من جيبه خاتمًا بسيطًا غير مبالغ فيه، وقال لها أمام والدته التي كانت تبتسم بمباركة ودموع فرح: "سلمى.. طفلي اختاركِ بقلبه قبل عام لأنه رأى فيكِ الأمان، وأنا اليوم أختاركِ بعقلي وقلبي وروحي، ليس لأنكِ ابنة الرجل الذي أنقذني، بل لأنكِ المرأة الوحيدة التي أنقذت عائلتي من الجفاف والضياع.. هل تقبلين أن تكوني زوجة لي وأمًا لياسين وشريكة لعمري؟".
نظرت سلمى إلى ياسين الذي كان يقفز فرحًا، وإلى الحاجة فاطمة التي أومأت لها برأسها داعية لها بالتوفيق، ثم نظرت إلى مراد ورأت في عينيه الصدق والندم والحب الصافي. مسحت دمعة فرح سقطت على وجنتها، ومدت يدها لتضعها في يده وقالت بهدوء: "قبلت يا مراد.. لأن الحب والأمان الذي وجدته في حضن ابنك، جعلا قلبي يسامح الماضي ويعشق الحاضر معك". وتزوجا في حفل عائلي دافئ وبسيط، لتثبت الأيام أن القلوب الطاهرة والبريئة هي الوصلة الوحيدة التي تكشف الحقائق وتعيد ترتيب الحياة كما يجب أن تكون.