باع آخر حصان عنده علشان ينقذ أرضه… لكن ست غريبة رجعتهوله
باع آخر حصان عنده علشان ينقذ أرضه… لكن ست غريبة رجعتهوله ومعاها عرض هيغيّر حياته كلها.
في آخر منطقة ناشفة في وادي “الصفا”، التراب كان مالي المكان طول الوقت. يدخل في البق، ويلزق في الهدوم والخشب القديم وصبر الناس.
حسن البدري اتعود على التراب ده من وهو صغير. شافه مع جده، ونضفه مع أبوه، وكل يوم كان يلاقيه على ترابيزة المطبخ.
الأرض ماكنتش كبيرة. السور قديم، والبير حالته صعبة، والغيطان باينة كأنها متشققة من التعب. لكن بالنسبة لحسن، الأرض دي كانت كل حاجة.
كانت آخر مكان يحس فيه إن أبوه لسه موجود. كل عمود متصلح، وكل أداة قديمة، وكل ركن في الزريبة كان بيفكره بيه.
في الجمعية الزراعية، كان ملف حسن مليان إنذارات ديون وتأخير. كان حافظ كل ورقة فيهم من كتر ما قراها.
سنين وهو بيحاول يكمل. باع أدوات، قلل الزرع، وصلّح السور بأسلاك قديمة، واتعود ينام ساعات قليلة. لكن الصيف ده كان مختلف.
الشمس حرقت الأرض، والبير نشف، والذرة ماطلعتش، والفراخ بقت تتحرك بالعافية.
وفضل عنده “برق”، آخر حصان.
برق كان مع حسن من زمان. حافظ صوته، ومتعود يقف جنبه وقت الضيق. وكان لسه لابس الحبل القديم اللي أبوه عمله
في يوم، حسن بص لإنذار البنك، وبعدها بص للزريبة، وفهم إنه مضطر يبيع الحصان.
في قرارات بتحسها غصب عنك.
الصبح بدري، أخد برق وراح سوق المواشي. الحصان كان ماشي هادي ومطمن لصاحبه، وده كان أصعب حاجة على حسن.
في السوق، الناس بصت للحصان وفحصته وسألت عن سنه. وفي الآخر، تاجر عرض مبلغ قليل.
حسن عرف إن السعر قليل، لكنه وافق.
وقّع الورق، وساب الحبل.
برق صهل صهوة خفيفة كأنه مش فاهم ليه صاحبه سايبه.
حسن مسك الفلوس جامد، وكان نفسه يرجع في كلامه، لكن مشي من غير ما يبص وراه.
رجع البيت، وحس إن المكان فاضي. الزريبة ساكتة، والبيت هادي بشكل يوجع.
حط إيصال البيع جنب ورق البنك، وقعد في الضلمة فترة طويلة.
نام بالعافية، وحلم بصوت حوافر وصوت أبوه وهو بيقول:
“الأرض ما بتتورثش… الأرض بتتدافع عنها.”
تاني يوم الصبح، خرج يشوف البير، لكنه اتفاجئ.
برق كان واقف قدام البوابة.
واقف عادي كأنه ما غابش.
حسن قرب منه ببطء ولمسه علشان يتأكد إنه حقيقي.
وفجأة سمع صوت ست من وراه:
ـ مش كل حاجة بتتباع بتروح.
لف لقاها ست لابسة لبس بسيط وعليها تراب سفر. شكلها هادي، لكن باين إنها عارفة هي جاية ليه.
قالت:
ـ
حسن رد بحذر:
ـ أنا بعته. ومعايا إيصال البيع.
ابتسمت وقالت:
ـ اللي اشتراه وافق يرجعه.
حسن استغرب وسألها:
ـ إنتِ مين؟
قالت:
ـ واحدة جاية تسدد دين قديم… وتعرض عليك فرصة أبوك كان مستني اليوم اللي تبقى جاهز تسمع عنها فيه.
حسن أخد الظرف اللي كان في إيدها. كان مقفول بالشمع الأحمر، ومكتوب عليه اسم أبوه كامل.
دخلها البيت، وقعدوا على الترابيزة.
البيت كان ريحته قهوة قديمة وخشب ناشف.
فتح الظرف، ولقي جواه جواب من أبوه، واتفاق قديم، وخريطة صغيرة عليها علامات بالقلم الأزرق.
قرأ اسم أبوه الأول، وبعدها عرف إن الست دي مش غريبة.
زمان، أيام جفاف قديم، أبو حسن ساعد عيلتها. اداهم أكل وفلوس ومياه، ومن غير ما يطلب مقابل.
كل اللي طلبه إنهم لو أرضه وقعت في مشكلة يوم من الأيام، يساعدوا قبل ما حد ياخدها.
حسن حس بفخر وزعل في نفس الوقت. فخور بأبوه، وزعلان إنه عمره ما حكاله.
بعدها الست فتحت الخريطة، وورته جزء قديم ورا الطاحونة.
حسن كان فاكر المكان ده أرض ناشفة مالهاش لازمة.
لكن الست قالت:
ـ أبوك كان شايف غير كده.
حسب الورق، كان فيه خزان مياه قديم مدفون تحت الأرض،
حسن جري للمكان، وشال التراب والخشب القديم، ولقي غطا حديد مستخبي تحت الأرض.
فتحوه هما الاتنين، وطلع منه ريحة رطوبة.
المياه ماكنتش كتير، لكنها موجودة.
وده كان أول أمل حقيقي يشوفه حسن من شهور.
بعدها الست شرحت عرضها.
عيلتها مستعدة تساعده يسدد الديون ويصلح الخزان، مقابل إن الأرض تفضل شغالة ويشتغلوا مع بعض في زراعة جديدة تناسب الجفاف.
وقالِتله:
ـ رجّعنا الحصان علشان نتأكد إنك بعته علشان تنقذ أرضك… مش علشان الطمع.
حسن ما ردش.
بص للحصان، وبعدها للأرض، وحس إن حياته ممكن تبدأ من جديد.
في نفس اليوم، أخد الورق وراح الجمعية الزراعية وقدّم طلب يوقف الحجز.
وبعد أسبوعين، البنك وافق يديهم مهلة.
حسن بدأ ينضف الخزان كل يوم من الفجر. تعب كتير، لكن لأول مرة كان عنده أمل.
ولما أول نقطة مياه طلعت، قعد على ركبته وعيط.
مش علشان الفلوس.
علشان حس إن أبوه ما سابهوش لوحده.
بعد فترة، الأرض بدأت تتحسن شوية بشوية. الزرع رجع، والفراخ بقى عندها ضل، وبرق رجع مكانه جنب الزريبة.
والست كانت بتيجي كل شهر بالحسابات والأوراق، وكل حاجة كانت واضحة.
حسن احتفظ بإيصال
مش علشان يفتكر خسارته…
لكن علشان يفتكر إن اليوم اللي افتكر فيه إنه خسر كل حاجة، كان في الحقيقة بداية جديدة.