كنت واقف بتفرج على أبويا وأختي وهم بيكسروا بنتي نفسياً قدام عيني على سفرة الغدا

لمحة نيوز

ندى سندت دراعاتها لبعض وهي ميلة بضهرها بثقة مستفزة، مستنية إني أولّع، أطرد سارة، أو حتى أنهار من العياط. أبويا وأمي بصوا لبعض بنظرات شماتة، وكأنهم مستنيين يشوفوا حياتي وهي بتقع قدامهم.

لكن بدل كده، أخدت نفس طويل، بصيت على الظرف، وضحكت ضحكة باردة قصيرة.

ابتسامة ندى اختفت فورًا.
ـ إنت بتضحك ليه؟ — قالت بصوت مهزوز —. هتنكر يعني؟ مراتك خاينة يا كريم! ضحكت عليك!

ـ سارة عمرها ما خانتني — قلتها بهدوء غريب شق التوتر اللي في الأوضة كلها. قربت منها ومسكت إيدها اللي كانت بتترعش وضغطت عليها —. وأنا أصلًا مش محتاج أفتح الظرف ده يا ندى… لأني عارف هو مكتوب فيه إيه.

ـ إنت بتقول إيه؟ — أبويا قالها بعصبية، والثقة اللي كانت على وشه اتحولت لارتباك.

بصيت له في عينه وقلت:
ـ من تمن سنين، قبل حتى ما أعرف سارة، دكتور قالي إني عندي مشكلة صحية خطيرة… خلتني عقيم بشكل نهائي. مستحيل أخلف طفل من دمي. مستحيل طبيًا.

الأوضة كلها سكتت. ندى فتحت بقها من الصدمة.

ـ أنا وسارة كنا عارفين ده قبل الجواز — كملت كلامي وصوتي بيعلى بغضب سنين مكتوم —. ليان مش غلطة ولا خيانة. إحنا اخترنا بإرادتنا نستخدم متبرع مجهول علشان نبني عيلتنا. مرينا بمحاولات حقن كتير، عيطنا سوا، استنينا سوا، وفرحنا سوا

لما بنتنا جات الدنيا.

أمي، فايزة، اتكلمت لأول مرة ووشها كله إحراج:
ـ طب ليه مخبتوش علينا؟

ضحكت بسخرية وشورت عليهم التلاتة:
ـ علشان إحنا عارفينكم كويس. شوفوا عملتوا إيه الليلة! ناس سامة وما عندهاش رحمة. كنا عارفين إن أول ما تعرفوا المعلومة دي هتستخدموها ضد طفلة بريئة. هتحسسوها إنها غريبة… وفعلاً عملتوا كده. سرقتوا شعراية من طفلة، وعملتوا تحليل مزيف، واستغليتوا الموضوع بس علشان تكسروا قلبها.

لفيت ناحية ليان اللي كانت بتعيط، ونزلت على ركبتي قدامها، متجاهل التلاتة اللي واقفين مذهولين.

ـ ليان يا حبيبتي، بصّيلي… الأب مش بالدم. الأب بالحب. أنا أول واحد شالك يوم ما اتولدتي، وأنا اللي بحطلك اللازقة لما تتعوري، وأنا اللي بغطيكي كل ليلة قبل النوم، وبحبك أكتر من نفسي. إنتِ بنتي، ومفيش حاجة في الدنيا هتغيّر ده أبدًا.

ليان حضنتني بدراعاتها الصغيرة وهي بتشهق من العياط:
ـ بحبك يا بابا.

حضنتها جامد، وبعدها وقفت وبصيت لعيلتي ببرود:
ـ كنتوا خايفين على “نسب العيلة”؟ تمام. من النهارده إنتوا مش جدود ليان… وإنتوا كمان مبقتوش أهلي ولا أختي. اطلعوا بره بيتي.

ـ إنت متقدرش تعمل كده يا كريم! — ندى صرخت وأنا بزقهم ناحية الباب —. إحنا عملنا كده علشانك!

ـ بره! — صرخت وقفلت الباب

الخشب في وشهم بعنف.

الأزمة خلصت وقتها… لكن الحساب الحقيقي كان لسه هيبدأ.

سنين طويلة وعيلتي عايشة على فلوسي. أنا كنت مدير كبير في شركة برمجيات، ولأن أهلي ضيعوا فلوس تقاعدهم، كنت بدفع قسط البيت بتاعهم كل شهر في هدوء، وكمان بديهم مبلغ ثابت يعيشوا منه. غير كده، أنا اللي كنت بدفع مصاريف جامعة ندى الخاصة بالكامل، بمبالغ ضخمة كل ترم، علشان تعيش في سكن فاخر وتسوق العربية اللي أنا جايبهالها.

في الليلة دي، قبل ما أنام، فتحت حساباتي البنكية. بكام ضغطة زر بس، لغيت كل التحويلات الشهرية لأهلي. وبعدها دخلت على حساب الجامعة، وسحبت موافقتي على دفع مصاريف ندى. قطعت عنهم كل حاجة.

النتيجة ظهرت تاني يوم الصبح.

خبط عنيف على الباب. فتحت لقيت أبويا وأمي واقفين، وشهم كله خوف وغضب.

ـ إنت اتجننت؟! — أبويا صرخ وهو بيحاول يدخل —. البنك بلغنا إن قسط البيت اترفض! رجّع التحويلات يا كريم!

أمي قالت وهي بتعيط من غير ذرة ندم على اللي عملوه في ليان:
ـ كان من حقنا نعرف الحقيقة! مش هتعاقب أهلك علشان سوء تفاهم!

ـ مفيش سوء تفاهم — قلت ببرود وأنا مانعهم يدخلوا —. إنتوا وريتوني حقيقتكم. بالنسبة لكم “الدم” أهم من روح طفلة بريئة. إنتوا مجرد ناس عايشة على حسابي… ومن النهارده بره حياتي. حلّوا

مشاكلكم بنفسكم.

وقفلت الباب بالمفتاح.

بعدها بساعة، ندى جات لوحدها. البنت المتغطرسة اللي كانت بتصرخ امبارح اختفت، وبقت واقفة بتعيط وماسكة تورتة من محل حلويات.

ـ كريم، بالله عليك… أنا آسفة. ماكنش قصدي أقولها بالطريقة دي. كنت بحاول أحميك.

ـ سيبي التورتة وماتمثليش — قلت وأنا رافض آخدها —. إنتِ جاية عايزة إيه بجد؟

انهارت فجأة وقالت وهي بتشهق:
ـ الجامعة بعتتلي إيميل! قالوا إن المصاريف اتلغت، ولو مادفعتش قبل الاثنين هيشطبوني من الكلية ويطلعوني من السكن! أرجوك ادفعهم يا كريم!

بصيت لها من غير أي إحساس.
ـ الاعتذار مش كوبون خصم يا ندى. مينفعش تكسري بنتي وبعدها تستني مني أشتريلك مستقبلك.

صرخت بغضب وهي بترجع لشخصيتها الحقيقية:
ـ إنت بتختار بنت مش من دمك على أهلك الحقيقيين؟!

ـ دي بنتي — قلتها بثبات —. عمرها ما كانت مقارنة أصلًا.

وقفلت الباب في وشها.

عدى ست شهور من الليلة دي. وقطع علاقتنا بيهم كان أحسن قرار خدناه أنا وسارة. بيتنا بقى أهدى وأسعد. ليان بقت متفوقة في المدرسة وعارفة إنها محبوبة بجد.

أما هم… فالحياة جابتلهم حقهم. بسبب مشاكلهم المالية مقدروش ياخدوا قروض، فاضطروا يرهنوا البيت وياخدوا ديون كبيرة علشان يدفعوا جامعة ندى. وندى اشتغلت شغلانتين مرهقين

علشان تعرف تعيش.

كانوا عايزين يدمّروا عيلتي… وفي الآخر دمّروا نفسهم بإيديهم.

تم نسخ الرابط