​معيش حتى حق فنجان قهوة الجزء الثاني والأخير ​بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

تابعت نرمين بابتسامة غامضة وقفلت عينيها نص قفلة وقالت
الطبق الرئيسي؟ لا استنى بقى المفاجأة التقيلة لسه جاية.
رامي اتعدل في قعدته فجأة، ولمعة أمل ظهرت في عينه كأنه غريق وشاف قارب نجاة، وقال لنفسه أهو أخيرًا هنشوف الأكل المحترم اللي يتأكل! واضح إنه كان متخيل صينية فراخ محمرة في الفرن، أو طاجن لحمة بالبصل، أو أقل واجب صينية بطاطس وموزة محترمة.. سيبه يحلم ويسرح بخياله.
قامت نرمين ناحية المطبخ، وطلعت بصينية عشا كبيرة متغطية بورق فويل، وحطتها على السفرة في النص بطريقة استعراضية فيها تشويق. أول ما شالت الغطا، طلعت ريحة نفاذة وتقيلة ملّت الصالة.. ريحة تخديعة محشي كرنب غرقانة في اللية الضاني، ومكتومة مع لحمة الرأس والسمين، والصباع بصباعه مصفوفين بإحكام كأنهم كتيبة داخلة معركة.
رامي رمش كذا مرة، وبلع ريقه بصعوبة وقال وهو مخضوض
هو.. هو ده إيه كمان؟
ردت بمنتهى الثقة والجدية
محشي كرنب بالخلطة السرية والسمين.. اختراعي أنا وماما، طاقة ودفى للركب.
مسك الشوكة بإيد ترتعش، وزق صباع محشي صغير، وحطه في بقه وهو بيدعي ربنا تطلع سليمة.. وفي نفس اللحظة وشه جاب ألوان وعمل الحركة الشهيرة بتاعة أي حد بيحاول يبلع حاجة ثقيلة على المعدة ومش قادر يستحمل دسامتها بس مفيش مفر. نرمين وماما كانوا بيبصوا لبعض، ونرمين حست بمتعة وانتصار داخلي وهي بتراقبه.
قالت

وهي بتكتم ضحكتها بالعافية
حلو صح؟ الرز مفلفل؟
رد بصوت مكتوم وخارج من مناخيره
آه.. دسم.. دسم وبلدي جدًا.. ما شاء الله.
ومد إيده بسرعة لعلبة العصير اللي كان جايبها معاه عشان يبلع اللقمة. العصير نفسه كان لازع وطعمه عامل زي الدوا، لايق جدًا على قفلة الليلة كلها. الصمت قعد بينهم شوية، مفيش غير صوت المعالق وخبط الأطباق، وبابا قاعد متبع الحوار ومبتسم في صمت.
ولما نرمين حبت تحلي القعدة وقالت
طب تحبوا تحلّوا؟ عاملة مهلبية شوفان بالقرفة والبسكوت الدايت.
رامي هنا كان خلاص جاب آخره وبيقاوم بالعافية عشان يفضل مؤدب ويحافظ على اللي باقي من برستيجه قدام حماه المستقبلي. وبعد لحظة قال وهو بيحاول يرسم ابتسامة صفرا
بصي يا نرمين إنتِ ست بسيطة أوي وبنت بلد.. بس قصدي البساطة الحلوة يعني، مش بتاعة الدوشة.
هزت راسها وقالت بهدوء وثقة
أيوه.. أنا زي أكلة الكوارع واللحمة المسبكة دي.. مش أي حد يستحمل دسامتها وأصولها.. بس حقيقية وبتظهر المعادن.
واضح إنه من الصدمة والكبسة مفهمش التلميح، أو فهم وعمل نفسه من بنها. بعدها نقلوا القعدة للصالون عشان يشربوا الشاي. رامي حاول يستجمع قواه ويرجع لشخصيته البرنس القديمة تاني.. فرد جسمه على الكنبة المذهبة، وحط رجل على رجل، وطلب من بابا يصب له شوية عصير زيادة. وبص لنرمين وقال بابتسامة خفيفة باهتة
حاسس إنك مش بسيطة
زي ما بتظهري كده يا بشمهندسة.. فيكي نار وعند.
بصتله نرمين بعين قوية وثبات وقالت
آه فعلًا خصوصًا لما أشوف حد عايز يدخل بيوت الناس بكلام ووعود وفشخرة كدابة، وهو أصلًا مش معاه تمن أول خطوة.
سكت وبصلها باستغراب وصدمة، لأن الدبش نزل عليه كأنه طوبة.. ضحك ضحكة مصطنعة هربانة وقال
كلامك فلسفي وتقيل أوي يا نرمين.
ردت وهي بتقوم من مكانها وبتبص لبابا
لا يا رامي كلامي واقعي وأصول.. ويلا بقى عشان بابا ميعاد نومه جه والوقت اتأخر.
اتصدم وقال بسرعة وهو بيبص في ساعته
إيه؟ أمشي؟! ده إحنا لسه بنفتح مواضيع والسهرة في أولها!
قالت بمنتهى الهدوء والحسم
لا يا أستاذ رامي السهرة والزيارة خلصوا من بدري.. وبصراحة؟ إنت نجحت في الاختبار نوعًا ما.
اتلخبط وبص لبابا وماما وقال
اختبار؟! نجحت في إيه؟
ابتسمت وهي واقفة بكل شموخ قدامه
أصل العزومة دي كلها كانت اختبار.. كنت عايزة أعرف إنت رامي البيزنس مان الوهمي بتاع الصور والمنظرة، ولا رامي الحقيقي.. وأعتقد إني فهمت الرسالة خلاص.
لأول مرة من ساعة ما دخل البيت ملامحه تقع بالشكل ده.. الثقة المصطنعة طارت، والصوت الناعم المسبك اختفى معاها. قال بكسرة وعين مكسورة
يعني الأكل الشعبي ده كله والكبسة دي كانت مقصودة؟
ردت فورًا
أكيد.. إنت اللي استخسرت تعزم بنت في مكان عام يناسب أول مقابلة، وطلبت تيجي تاكل في البيت وتوفر
عليا وعليك، صح؟ أهو.. دي عزومتنا الحقيقية.. من غير قناع رجل الأعمال الوهمي والعربية الإيجار.
فضل ساكت شوية، باصص للأرض ووشه في نص هدومه قدام باباها ومامتها.. وبعدين قام ببطء، وشال الجاكيت بتاعه وقال بابتسامة مليانة إرهاق حقيقي
يمكن عندك حق.. أنا فعلًا تعبت من إني أفضل أمثل إني شخص ناجح وغني طول الوقت عشان الناس ترضى عني.
نبرة صوت نرمين هديت شوية والحدة اللي فيها راحت، وردت بآدمية
دلوقتي بس أنا وبابا شفناك بجد مش رجل أعمال في قناع مزيف.. بني آدم طبيعي.
لبس الجاكيت بتاعه، وبص لبابا ونرمين وقبل ما يفتح الباب ويمشي قال فجأة
حقكم عليا لو كنت باين سخيف أو كداب.. أنا بس كنت محتاج أحس إن ليا قيمة وسط الناس.
بابا طبطب على كتفه وقال له ربنا يصلح حالك يا ابني.. ونرمين ردت بهدوء
لما تتعلم تقدر نفسك وتقدر الناس بصراحتك ساعتها هتلاقي اللي يقدرك لشخصك مش لمظهرك.
خرج رامي، وبابا قفل الباب وراه براحة.
وقفت نرمين شوية وسط هدوء الصالة، بتسمع صوت الهوا برا الشباك.. وبدأت تلم الأطباق مع ماما وهي مبتسمة ومرتاحة بينها وبين نفسها. العصير كان طعمه وحش، والمحشي والكوارع تقلوا على قلب الراجل، بس لأول مرة من سنين، قلب نرمين كان رايق ومرتاح.. عرفت إن الليلة دي عمرها ما هتنساها، مش بسبب رامي خالص.. لكن بسبب إنها حمت نفسها، ولأول مرة من زمان جدًا حست
بطعم حريتها وذكائها الحقيقي في بيتها ووسط أهلها.
تمت

تم نسخ الرابط