ذهب ليستريح في بيته الريفي

لمحة نيوز

ذهب "مويسيس" ليستريح في بيته الريفي، هرباً من وجع قديم لم يشفَ منه. وعندما نزل من سيارته، وجد توأمًا صغيرًا واقفًا أمام الباب، وكل واحدة تمسك قطعة خبز يابسة وتقول له: "سيدي.. هل يمكننا الانتظار هنا؟"

​ذلك الصوت الصغير، الضعيف والمهذّب، هزّ مويسيس من أعماقه في اللحظة نفسها. كان قد نزل لتوّه من السيارة، متعبًا من الطريق وأكثر تعبًا من ألمه الداخلي. كان البيت الريفي مغلقًا منذ عامين، منذ وفاة "بياتريث". هناك، في ذلك المكان، كانا يحلمان بإنجاب الأطفال. وهناك أيضًا قرر أن يعود، محاولًا أن يتنفس بعيدًا عن القصر الفارغ.

​لكن عند الباب الخشبي كانت تقف فتاتان متطابقتان؛ شعرهما أشقر، حافيتان، ملابسهما متّسخة بالتراب، وكل واحدة منهما تمسك بقطعة خبز يابسة وكأنها أثمن ما تملك في هذا العالم.

​ترك مويسيس حقيبته على الأرض، وجثا على ركبتيه حتى صار بمستواهما:

  • ​"تنتظران من يا صغيرتَيّ؟" الفتاة الأكثر جرأة شدّت قطعة الخبز إلى صدرها:
  • ​"ننتظر أمّنا."

​جاء الجواب كصفعةٍ على قلبه. في لحظة واحدة عاد إليه وجه بياتريث في المستشفى، يدها الباردة، والوعد الذي لم يستطع أن يفي به. ضاق صدره:

  • ​"ما اسماكما؟"
  • ​"جو" قالت إحداهما.
  • ​"جو" همست الأخرى.

​نظر إلى الطريق؛ فارغ، لا سيارات، لا بالغين، لا أحد.

  • ​"هل أنتما جائعتان؟" رفعت "جو" قطعة الخبز:
  • ​"نعم لكن هذا لأمّي."

​أدار مويسيس وجهه، محاولًا أن يحبس دموعه. دخل مسرعًا، وأحضر حليبًا وموزًا وبعض البسكويت. عاد إلى الشرفة ووضع الطعام أمامهما وقال: "هذا يمكنكما أن تأكلاه، أما الخبز فاحتفظا به، حسنًا؟"

​جلست الفتاتان على الدرَج، وبدأتا تأكلان ببطء دون أن تُضيّعا شيئًا. ظلّ مويسيس يراقبهما في صمت. هناك، ولأول مرة منذ زمن طويل، شعر بشيء مختلف عن الألم؛ رغبة في الحماية.

​في تلك الليلة، اتصل بالشرطة، وبالبلدية، وبهيئة حماية الطفل. وكان الردّ نفسه في كل مرة: "لا يمكننا الوصول إليكم إلا يوم الإثنين، سيدي."

نظر إلى الفتاتين؛ صغيرتين أكثر مما ينبغي لتحمّل هذا القدر من التخلّي، وتمتم: "إذًا ستبقيان معي حتى يوم الإثنين."

​تحوّل الاستحمام إلى فوضى مرِحة. رشّت "جو" الماء عليه، وانفجرت ضاحكة. تفاجأ مويسيس ثم ضحك هو أيضًا؛ ضحك بصدق. أما "جو" الأخرى، التي كانت صامتة، فقد ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة كانت كافية لتكسر الجليد في ذلك البيت.

​في العشاء، أعدّ بيضًا مخفوقًا مع الأرز. أكلت الفتاتان كل شيء. وبعد ذلك، بينما كان يغسل الصحون،

شعر بشدٍّ خفيف في بنطاله.

  • ​"احملني" قالت جو بصوتٍ خافت. لم يفكّر مويسيس لحظة؛ انحنى وحملها برفق وكأنها شيءٌ ثمين يخشى أن ينكسر. وضعت رأسها على كتفه، وسكنت فوراً كأنها وجدت أخيرًا المكان الذي تبحث عنه.

​أغمض عينيه؛ ذلك الثقل الخفيف بين ذراعيه لم يكن مجرد طفلة، كان حلمًا مؤجلًا، حياةً لم تكتمل، صوت ضحكة كان من المفترض أن يملأ البيت منذ سنوات ولم يحدث. تذكّر بياتريث وكيف كانت تضحك وهي تتحدث عن أسماء الأطفال. والآن، بين ذراعيه طفلة، ليست من دمه، لكنها بطريقةٍ لا تُفسَّر شعرت وكأنها منه.

​في صباح يوم الأحد، جلست "جو" بجانبه وسألته ببساطة: "هل أنت حزين؟"

نظر إليها وتنفّس ببطء: "أحيانًا." لم يكذب ولم يجمّل الإجابة.

وضعت يدها الصغيرة فوق يده وقالت: "أنا أيضًا.. لكن الحزن يزول عندما يبقى أحد بجانبنا."

تجمّد للحظة؛ هذه ليست كلمات طفلة، بل كلمات قلبٍ عاش ما لا يجب أن يعيشه في هذا العمر. شعر بشيءٍ ينكسر داخله، ثم بكى.. بكى دون خجل لأنه لم يعد وحيدًا في حزنه.

​في يوم الإثنين، وصلت الأخصائية الاجتماعية. كانت اللحظة ثقيلة.

  • ​"هل سنراك مرة أخرى؟" سألت جو. انحنى أمامهما وقال: "نعم سأراكم." لم يكن وعدًا عابرًا، كان قرارًا.

​ذهب

معهما إلى دار الرعاية، ولم يتوقف عن زيارتهما يومياً. كان يحمل الفاكهة، الألعاب، الكتب، وأحيانًا فقط نفسه. يتعلّم كيف يكون أبًا دون أن يعرف أنه يتعلّم. حتى قالت له إحدى الموظفات يوماً: "سيد مويسيس، بالنسبة لهما أنت لم تعد زائرًا.. أنت أصبحت الأب."

​مرّت الشهور، لم يظهر أي قريب ولم يسأل أحد، وكأن العالم نسيهما. لكنه هو لم ينسَ. بدأ إجراءات التبنّي، وكانت طويلة ومتعبة، لكنه لم يتراجع. وفي يوم المحكمة، فُتح الباب وخرجتا "جو وجو"، ركضتا نحوه وارتمتا في أحضانه.

​احتضنهما بقوة كمن يستعيد حياةً كاملة كانت ضائعة.

  • ​"الآن إلى الأبد.. أنتما ابنتاي." أمسكت "جو" بوجهه وسألت: "هل أنت أبونا؟" أجاب بلا تردد: "نعم، أنا أبوكما."

​عادوا إلى القصر، لكنه لم يعد ذلك المكان البارد الصامت. امتلأ بالضحك، بالركض، وبالأصوات؛ كلمة "بابا" كانت كفيلة أن تُعيد إليه قلبه في كل مرة. امتلأ القصر بالفوضى الجميلة والحياة، ولأول مرة أصبح "بيتًا".

​أدرك مويسيس أن الحياة لا تأخذ فقط، بل تعيد أحياناً بطريقتها. أدرك أن الله لا يمنع إلا ليُعطي بطريقةٍ أعظم، ولا يؤخر إلا ليأتي العطاء في الوقت الذي نصبح فيه مستعدين حقًا. لقد وضع الله على بابه طفلتين ليُعيدا إليه

الحياة، وليتعلّم أن ما فقده لم يكن النهاية، بل بداية لشيءٍ أجمل وأعمق.

تم نسخ الرابط