سر علبة زوجها في جنازته

لمحة نيوز

أنا وجوزي عشنا مع بعض 72 سنة.. وفي جنازته، جالي واحد زميله قديم من أيام الجيش واداني علبة صغيرة، واللي لقيته جواها خلاني مش عارفة أنطق.
72 سنة.. الرقم ده لما تقوله بصوت عالي تحس إنه مستحيل، كأنها قصة حد تاني هو اللي عاشها، بس دي كانت قصتنا إحنا. وده اللي كنت بفكر فيه وأنا قاعدة قدام نعشه، وإيديا مربعة فوق رجلي وبتترعش. لما بتعيش مع حد كل السنين دي، بكل شتاواتها وأيامها العادية، بتبدأ تفتكر إنك عارف عنه كل حاجة؛ نبرة تنهيدته، صوت خطوته، وحتى سكوته.
كنت عارفة "والتر" بيحب قهوته إزاي، وعارفة إنه بيشيك على قفل الباب مرتين كل ليلة، وإزاي بيفرد جكت الكنيسة على نفس الكرسي كل يوم حد. كنت فاكرة إني عارفة كل حتة فيه تستاهل تتعرف.. بس الحب ساعات بيخلينا نشيل حاجات بعيد وبحرص، لدرجة إنك مابتلاقيهاش غير لما الوقت يكون فات.
الجنازة كانت بسيطة، زي ما "والتر" كان بيحب.

بنتنا "روث" كانت بتمسح دموعها وتداري، وحفيدي "توبي" كان واقف يحاول يبان راجل وكبير. وأنا ببص للمذبح، افتكرت إزاي كان بيعمل كوبايتين قهوة كل يوم الصبح حتى لو أنا لسه نايمة، عمره ما اتعلم يعمل كوباية واحدة بس.
ولما الناس بدأت تمشي، لمحت راجل غريب واقف جنب صورة "والتر". كان لابس جاكيت الجيش القديم، وبدأ يقرب ناحيتنا.
سألني بصوت واطي: "إيديث؟"
هزيت راسي: "أيوة أنا.. إنت كنت تعرف والتر؟"
ابتسم بوجع وقال: "اسمي بول، خدمت مع والتر من زمان أوي."
استغربت وقولت له: "عمره ما جاب سيرة حد اسمه بول."
هز كتافه وقالي: "إحنا مابنحبش نتكلم عن اللي شفناه يا إيديث."
طلع علبة خشب متبهدلة من جيبه وقال: "هو خلاني أوعده، لو مقدرتش أخلص المهمة، لازم أرجع دي ليكي."
فتحت العلبة وإيديا بتترعش، ولقيت جواها دبلة دهب.. دبلة صغيرة أوي ورفيعة، مش دبلتي خالص! قلبي قعد يدق لدرجة إني كنت
هقع.. في دقيقة واحدة، حسيت إن حياتي كلها كانت كذبة.
سألته بزعيق: "ليه جوزي معاه دبلة ست تانية؟!"
الناس بدأت تبص علينا وتتوشوش، وأنا كنت حاسة بنار جوايا. 72 سنة وفي الآخر يطلع فيه ست تانية في حياته؟
"بول" اتنهد وبدأ يحكي: "الحكاية من سنة 1945، وقت الحرب في فرنسا. كان فيه ست شابة اسمها إيلينا، كانت بتيجي كل يوم تسأل عن جوزها "أنطون" اللي تاه في الحرب. والتر كان بيساعدها، بيقسم أكله معاها ويواسيها. وفي يوم، جالها أمر إخلاء، قامت مدياله الدبلة دي وقالت له: لو لقيت جوزي، اديله دي وقوله إني استنيته. وبعدها بأسبوع عرفنا إن المنطقة اللي راحتها حصل فيها هجوم ومات فيها ناس كتير."
"بول" كمل: "والتر بعتلي الدبلة دي من كام سنة بعد ما عمل عملية الحوض، وقالي حاول تدور على أهل إيلينا وتوصلهم الأمانة دي، بس للأسف ملقيتش حد. فخليتها معايا عشان أسلمهالك دلوقتي."
لقيت جوه
العلبة ورقة مكتوبة بخط والتر اللي عارفاه:
> "إيديث، كان نفسي أحكيلك عن الدبلة دي بس ملقيتش الوقت المناسب. شلتها كل السنين دي عشان الحرب علمتني إن الحب ممكن يضيع في لحظة. وجودها كان بيخليني أحبك أكتر كل يوم، عشان إنتي كنتي "بر الأمان" اللي رجعتله. والتر."

وكان فيه ورقة تانية كاتبها لأهل "إيلينا" بيعتذر فيها إنه معرفش يوصلهم الأمانة، وبيشهد فيها بوفاء الست دي وشجاعتها.
يومها بالليل، قعدت لوحدي في المطبخ، وبصيت على جكت والتر اللي لسه متعلق. في الجنازة خفت أكون ضيعت جوزي مرتين، مرة بالموت ومرة بالشك.. بس دلوقتي عرفت الحقيقة.
تاني يوم الصبح، حفيدي وداني المدافن، وحطيت الدبلة والرسالة في كيس قطيفة صغير جنب صورته وسط الورد، وقولت له بصوت واطي: "يا راجل يا عنيد.. في لحظة افتكرتك كذبت عليا.. بس اتاري مكنتش أعرف غير الجزء اللي بيحبني وبس."
وده كان كفاية
أوي بالنسبالي.
 

تم نسخ الرابط