وحمة تجمع ام وابنها
من ١٥ سنة، دفنت ابني "هوارد". كان عنده ٤ سنين بس.. كان صغير أوي على كفن، وصغير جداً على وداع بالشكل ده.
قالوا لي وقتها إنها عدوى مفاجئة، سريعة، ومش متوقعة.. من النوع اللي محدش يلحق يوقفه. كل اللي كنت عارفاه إن ابني ضاع مني. فاكرة وأنا بمضي الورق ودموعي مغمية عيني، ممرضة حطت إيدها على كتفي بحنية وقالت لي مابصش عليه كتير.. "الأحسن تفتكريه زي ما كان." وسمعت كلامها.
كنت محطمة. المستشفى كانت في حالة فوضى الليلة دي بسبب عاصفة قطعت السيستم، وكل حاجة كانت بتتم يدوي، والناس كانت بتعتمد على أساور الإيد والورق والثقة. مكنتش أعرف وقتها إن ده شيء خطير.
"هوارد" كان عنده وحمة تحت ودنه الشمال بالظبط.. عمري ما نسيتها.
بعد سنين، عزلت وبدأت من جديد في مدينة صغيرة. اشتغلت في كافيه محدش يعرف فيه قصتي. كنت بعمل قهوة وأمسح الرخام وأتعلم إزاي أكمل حياتي، حتى لو مكنتش خفيت فعلاً. بس فيه ذكريات مش بتموت.. خصوصاً الوحمة دي. كانت صغيرة، بيضاوية، ومش متساوية. كنت متعودة أبوسها كل ليلة قبل ما ينام. مسمحتش لنفسي أفكر فيها من سنين.. لحد ما شفتها تاني.
كان يوم زحمة لما شاب قرب من الكاونتر وقال: "قهوة سادة". كان شكله عنده ١٩ أو ٢٠ سنة، مفيش فيه حاجة غريبة.. لحد ما ميل راسه
للحظة مكنتش قادرة أتنفس. قلت لنفسي دي صدفة، الوحمات موجودة عند ناس كتير، والحزن بيخلي الواحد يتخيل حاجات مش موجودة. بس إيدي كانت بتترعش وأنا بعمل القهوة. ولما جيت أديله الكوباية، صوابعنا لمست بعض.. وحسيت إن كل حاجة حواليا اختفت.
بص لي بتركيز وقال: "استني.. أنا عارفك."
اتسمرت مكاني وقلت له: "إيه؟"
قال لي: "صورتك موجودة في صورة فوتوغرافية."
الكلمة رنت في ودني.. "صورة إيه؟"
بس هو تردد، أخد قهوته ومشي.
مبطلتش تفكير. دخلت على سيستم الطلبات ولقيت اسمه "إيلاي". ليلتها فضلت قاعدة في عربيتي باصة لاسمه وبحاول أقنع نفسي إن الموضوع ملوش معنى، بس لأول مرة من سنين حسيت بحاجة أقوى من الحزن.. حسيت بـ "أمل".
رجع تاني يوم، عملت له القهوة وقلت له: "ممكن نتكلم؟"
كان باين عليه القلق بس وافق. قلت له: "أنت قلت إنك عرفتني من صورة."
تنهد وقال: "دي كانت من سنين.. صورة ليكي وأنتي ماسكة طفل. أمي اتوترت جداً لما شافتني ببص فيها."
قلبي بدأ يدق بسرعة.. "اسم مامتك إيه؟"
قال لي: "مارلا."
جسمي كله سقع. "مارلا" كانت ممرضة في المستشفى اللي "هوارد" مات فيه. كانت هادية وحنينة، ودايماً تقولي ارتاحي.. وثقي في المستشفى. وقتها
طلبت من "إيلاي" نقابل بعد الشغل. مكنتش بتهمه بحاجة، بس حكيت له عن ابني.. حركاته، ضحكته، وإزاي كان بيسمي الحمام "فراخ المدينة". وحكيت له عن الوحمة. "إيلاي" سكت خالص وقال بصوت واطي: "أمي كانت دايماً تقول إن الوحمة دي نحس وراثة من عيلتي الحقيقية."
قلبي كان هيقف.. "عيلتك الحقيقية؟"
هز راسه وقال: "كانت دايماً بتهرب من الكلام في الموضوع ده."
تاني يوم روحنا مكتب السجلات. اكتشفنا إن ورقه كله طلع وهو عنده ٦ سنين، ومفيش ليه سجل أصلي في المستشفى. في اللحظة دي كل حاجة اتغيرت. روحنا نواجه "مارلا". أول ما شافتنا مع بعض اتخضت. "إيلاي" سألها بوضوح: "أنا ابنك فعلاً؟"
مردتش. وجوه البيت، الحقيقة بدأت تظهر حتة حتة. "هوارد" كان تعبان فعلاً بس كان بيتحسن. "مارلا" كانت لسه فاقدة ابنها في نفس الوقت.. نفس السن، ونفس الشكل. وفي عز فوضى ليلة العاصفة، طفل تاني مات، طفل مكنش ليه أهل يسألوا عليه.
"مارلا" أخدت قرارها.. بدلت أساور الإيد. غيرت الورق. وحطت العقود قدامي وأنا مش شايفة من دموعي. وقالت لي مابصش عليه كتير.. عشان اللي كان قدامي مكنش ابني.
قلت لها بصدمة: "أنتي خليتيني أدفن ابن حد تاني."
قعدت تعيط وتقول: "أنا
رديت عليها: "ماتبدأيش كلامك بكلمة حب.. أنتي سرقتيه مني."
"إيلاي" وقف ساكت خالص، ووشه بقى أصفر زي الليمون.
بص لها وسألها: "كان عندك نية تقولي لي في يوم من الأيام؟"
مردتش عليه.. والسكوت ده كان كفاية جداً كإجابة.
مطلبتش منه يناديني بـ "يا ماما".
كل اللي طلبته هو تحليل DNA.
وبعد ست أيام، النتيجة طلعت.. تطابق.
مبقتش مجرد أمنية أو أمل.. بقت حقيقة.
"هوارد" مكنش مات.
"هوارد" هو "إيلاي".
لما شفته تاني، مكنش حد فينا عارف يتكلم في الأول.
بعدين قال بصوت واطي: "أنا مش عارف إزاي أكون هوارد."
رديت عليه: "مش لازم تكون حد.. بس خليني أعرفك زي ما أنت دلوقتي."
عيط.. وأنا كمان عيطت معاه.
دلوقتي، بقى بيجي لي الكافيه بعد ما بنقفل.
بنقعد نتكلم.. وبنتعرف على بعض واحدة واحدة وبالراحة.
في ليلة، طلعت صندوق كنت محتفظة بيه من ١٥ سنة.
جوانتي صغير.. قطر لعبة.. ورسمة فيها شمس لونها أصفر فاقع.
مسك بلوفر صغير في إيده وفضل ساكت.. ووشوش بصوت واطي: "أنا فاكر ده."
مش فاكر كل حاجة.. بس فاكر حاجة.
وده كان كفاية أوي بالنسبة لي.
قريب، أخدته للأوضة اللي عمري ما غيرت فيها حاجة.
وقف هناك لفترة طويلة.. وبعدين دخل.
وهو ماسك القطر اللعبة، لف لي وسألني:
"ممكن تحكي لي عنه؟"
ابتسمت
"ممكن أحكي لك عنك أنت."