ما اكتشفته الخادمة شيء لا يصدق
كانت والدة رجل الأعمال الكبير حسام الدسوقي بتعاني من آلام شديدة في دماغها. الحاجة صفية ست عدت السبعين قاعدة على طرف السرير الكبير المصنوع من خشب غامق تقيل ضاغطة على صدغيها بإيدين رفيعة مشدودة وعيونها مقفولة من شدة الوجع.
الألم ما كانش مجرد صداع عادي. كان تقيل بطيء كأنه حاجة عايشة جوه دماغها بتلف وتخبط وتدق من غير رحمة. كانت بتصحى من النوم مفزوعة تقوم تقعد تقلب في السرير تجرب كل وضع ولا وضع يريح ولا دقيقة هدوء. وجع يخلي النفس تقيل والدنيا تلف ويخلي وشها يصفر. وساعات تغيب عن الوعي كأن الروح بتطلع وترجع على مهل.
حسام ابنها راجل أعمال معروف في القاهرة. الناس كانت فاكرة إنه ما يعرفش يعني إيه عجز. فلوسه كانت بتحل أي مشكلة علاقاته كانت بتفتح أي باب. بس لأول مرة في حياته يقف عاجز حاسس إن كل اللي بناه مالوش أي لازمة. من أول ما التعب ده ابتدى والقصر في التجمع الخامس ما بيسكتش. دكاترة داخلين دكاترة خارجين. أعصاب جراحة تحاليل أشعات.
كلهم نفس الكلام نفس النبرة نفس الجمل المحفوظة كل حاجة تمام. مفيش أي سبب عضوي. تحاليلها أحسن من ناس صغيرة. ضغطها زي الفل. وحسام واقف يسمع ويهز راسه بس جواه نار. جاب دكاترة من بره مصر من ألمانيا ومن اليابان. دفع أرقام ما حدش يتخيلها. حول جناح كامل في القصر لمستشفى مصغر أجهزة شاشات سراير تمريض 24 ساعة. بس الألم ما اتحركش. ما خفش. ما احترمش فلوس ولا اسم. كأنه حاجة عنيدة ساكنة دماغ
في الليلة دي كانت من أصعب الليالي. الوجع كان شديد والحاجة صفية بتنهج. شفايفها باهتة وعينيها بتفتح وتقفل من غير تركيز. حسام كان قاعد جنبها ماسك إيدها وإيده بترتعش. ولأول مرة صوته يطلع مكسور. قال وهو بيحاول يبان ثابت حاولي تهدي يا أمي أنا جنبك مفيش حاجة هتحصلك. فتحت عينيها بالعافية وبصت له وقالت بصوت واطي متقطع دماغي حاسة إن في حاجة جواها حاجة بتاكلني.
الكلمة دي كسرت قلبه. خرج من الأوضة مخنوق وقف في الممر وهو حاسس إن الدنيا كلها قفلت في وشه. وفي اللحظة اللي كان فاقد فيها الأمل ظهرت سعاد عاملة النظافة. ست بسيطة محدش بياخد باله منها. واقفة قدام باب الأوضة باين عليها تردد وخوف. قالت بصوت واطي لو تسمحلي يا بيه أنا ممكن أبص عليها يمكن أقدر أعمل حاجة.
حسام لف وبصلها مستغرب. بس ما كانش عنده حاجة يخسرها. قال لها اتفضلي. حسام ابتلع ريقه وهو بيتأمل وش أمه. قال بصوت مكسور أمي استحملي شوية أرجوك. الدكتور في الطريق هييجي دلوقتي. بس هو نفسه ما كانش مصدق كلامه.
سمع صوت خفيف عند الباب. كانت سعاد، عاملة النظافة الليلية ست قصيرة القامة ملامحها تعبانة. سعاد ما كانش ليها غير شهر ونص شغالة في القصر. قليلة الكلام دايما عينيها في الأرض. لكن الليلة دي وقفت عند المدخل ثواني أطول من المعتاد. حسام لاحظ نظرتها. ما كانتش فضول ولا تطفل. كانت قلق صادق كأنها شايفة حاجة هو مش شايفها. قال لها بحدة إنت محتاجة حاجة؟
سعاد ابتلعت ريقها وقالت بخوف عذرا يا بيه أنا اترددت بس أنا شفت ده قبل كده. في قريتي في المنوفية كان في ست عندها نفس الألم. حسام شد فكه وقال بسخرية يعني إنت فاهمة أكتر من الدكاترة؟ سعاد هزت راسها بهدوء لا يا بيه أنا مش أحسن منهم أنا بس مختلفة. ولو تسمحلي يمكن أقدر أجرب حاجة.
في اللحظة دي الحاجة صفية أطلقت أنين قوي هز الهوا كله. اتقوست وهي حاطة إيدها على صدغها الشمال كأن حاجة بتسحقها من جوه. حسام ما بقاش قادر يقف مكتوف الإيدين. قال بصوت واطي إيه.. إيه اللي عايزة تعمليه؟
سعاد تقدمت خطوة وقالت يمكن الكلام يبان غريب بس ساعات الألم بييجي عشان الإنسان شايل حاجة مش بتاعته. مش حاجة جسدية حاجة ملتصقة جواه. زي عمل خفي أو حسد أو حاجة مش ليه. حسام ما استهزأش المرة دي، يمكن من شدة اليأس. انحنى ناحية أمه وقال أمي تسمحي أرجوك؟ الحاجة صفية أومأت برأسها
بالعافية.
سعاد طلبت من الكل يخرج من الأوضة لكن حسام رفض. حسام كان بيرتعش وهو بيبص على الكرة السودة الصغيرة اللي ظهرت قدام عينه. كأنها خلاصة كل الألم اللي كان ساكن دماغ أمه. ما كانتش حاجة ممكن العقل يفسرها بسهولة. تمتم حسام مين اللي يعمل حاجة زي دي؟
سعاد قفلت إيدها عليها ببطء وقالت بهدوء مش كل اللي بيأذي بيأذي بإيده يا بيه. في ناس بيأذوا عشان قلبهم مليان حقد. وفي ناس الطمع أعماهم. المهم دلوقتي إن ده ما بقاش جواها.
الحاجة صفية أخدت نفس عميق كأن الهوا لقى طريقه ليها
التفت ناحية سعاد وقال أنا مش عارف أقول إيه ولا إزاي أشكرك. سعاد خفضت راسها وقالت ما تقولش حاجة يا بيه بس افتكر اللي شفته الليلة. وما تسيبهاش لوحدها تاني لأن في أذى ما بيدخلش غير لما القريبين يغيبوا.
الجملة وقعت على قلب حسام زي صفعة هزت قناعاته. أدرك إن الخطر ما بيتقاسش بقرب الأقدام لكن بقرب القلوب. الليلة دي النوم ما عرفش طريقه لحسام. قعد يراجع شريط سنينه.. الثقة اللي كان بيديها للي لابسين الأقنعة الصح. سأل نفسه مين كان قريب زيادة عن اللزوم؟ مين كان بيراقب ضعف أمه وهو غايب؟
مع بزوغ الفجر، الحاجة صفية كانت نايمة بسلام. حسام وقف عند باب أوضتها وهمس لنفسه مش هاسمح لحد يقرب منك بسوء مهما كان الثمن.
العالم حواليه ما اتغيرش، لكن نظرته هو اتغيرت. اتعلم إن السلطة مش دايما بتحمي، وإن الغرور ممكن يعمي صاحبه. بقى يسمع أكتر ما يتكلم، وما بقاش يستخف بالتفاصيل الصغيرة. أما سعاد، رجعت لشغلها بهدوء كأن ما حصلش حاجة. لكنها ما بقتش غير مرئية في نظر حسام.
فهم أخيراً إن الحكمة ممكن تسكن أبسط القلوب، وإن المعجزات بتيجي للي يملك قلب متواضع وعينين قادرة تشوف ما وراء المظاهر. ومن اليوم ده، حسام ما بقاش يدور على الأمان في الفلوس، لكن
تمت