كشف المؤامرة
الجزء التاني:
لثواني محدش فينا نطق. صوت المطر وهو بيخبط على الشباك كان هادي ومستمر، وكأن العالم بره معندوش فكرة إن حياتي لسه متشقلبة حالاً.
مسكت كشف الحساب تاني، بدور على أي تفسير بريء. "هاني" طول عمره كان شخص جذاب، منظم، ويتحمل المسئولية. كان بيفكرني بأعياد الميلاد، بيدفع الفواتير قبل ميعادها، ومصاحب كل الجيران في الشارع. كان من نوعية الرجالة اللي الناس بتثق فيهم من قبل حتى ما يطلبوا.
وده أكتر شيء رعبني.
سألت "وفاء": "ليه مقلتيش من بدري؟"
قالتلي: "حاولت.. أول أسبوع جيت فيه هنا، قلتلك إنه بيديني حبوب مش بتاعتي. إنتي روحتي قلتي لـ'هاني'.. ليلتها خد مني الموبايل."
افتكرت الموقف ده.. "هاني" وقتها ضحك بهدوء وقال: "ماما بدأت تخرف تاني يا لبنى." وأنا بعبطي صعب عليا.
دلوقتي أنا اللي حاسة إني عايزة أرجع.
"وفاء" قعدت تاني على الكرسي وهي مهبطة من الوقفة: "هو شايل دوسيه في المنور، جوه الفريزر القديم.. فاكر إن محدش يعرف مكانه."
كنت عايزة أطلب البوليس فوراً، بس "وفاء" وقفتني.
* "لازم دليل الأول.. 'هاني' بيعرف يخرج من أي مصيبة بلسانه."
المنور كانت ريحته تراب وبرومة. "وفاء" استنتني فوق وأنا نزلت. الفريزر القديم كان مركون في الركن ومغطي بمشمع. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
جوه لقيت دوسيه أزرق محطوط في كيس بلاستيك.
طلعته فوق وكأني شايلة قنبلة موقوتة.
على ترابيزة المطبخ، فردنا كل حاجة: صور من تقارير طبية، لستة أدوية "وفاء"، طلبات قروض، توكيل عام، وعقد بيع لبيتنا. وإمضتي كانت في آخر الورق بالحبر الأزرق.
كانت نسخة طبق الأصل من إمضتي.
تقريباً.
إمضتي الحقيقية فيها لفة صغيرة في حرف
وبعدين لقيت إيميل مطبوع من دار رعاية خاصة في مرسى مطروح.. عنوان الإيميل: "إيداع طويل الأمد – وفاء ..". وتاريخ الاستلام كان بعد يومين!
"وفاء" حطت إيدها على بوقها وهمست: "كان عايز يرميني هناك."
كلمت صاحبتي "رشا" اللي شغالة في مكتب محاماة، مشرحتش كل حاجة، سألتها سؤال واحد بس: "لو حد زور إمضتي على ورق ملكية، أعمل إيه؟"
صوتها المرح اختفى تماماً: "يا لبنى صوري كل ورقة عندك.. أوعي تواجهيه لوحدك.. كلمي الشهر العقاري واسألي لو فيه حاجة اتسجلت، وبعدين كلي البوليس."
قبل ما أرد، سمعت رزع باب عربية بره.
وش "وفاء" بقى أصفر.
من شباك الصالة، شفت عربية "هاني" في المدخل.
همست: "ده رجع!"
"وفاء" قالتلي: "لا.. ده أصلاً مسافرش."
"هاني" قرب من الباب من غير شنطته.. ملامحه كانت هادية، بس كان بيتحرك بسرعة.. بسرعة زيادة عن اللزوم.
لميت الورق بس إيدي كانت بتترعش.. مقبض الباب لفت.
كان مقفول.
"هاني" خبط خبطة واحدة.
نادى بصوته: "لبنى؟ افتحي الباب."
"وفاء" مسكت معصم إيدي: "اطلعي من باب المطبخ.. دلوقتي!"
بس صوت "هاني" اتغير فجأة.
* "أنا عارف إنها قالتلك كل حاجة."
الخبط وقف.
وبعدين سمعت صوت إزاز بيتكسر عند باب المنور.
زقيت كرسي "وفاء" للممر، والموبايل على ودني والنجدة بترد.. الموظف رد في نفس اللحظة اللي "هاني" دخل فيها المطبخ، المطر مغرق جاكتته والغل مالي عينيه.
بص للدوسيه المفتوح.
وبعدين ابتسم.
وقال بصوت واطي: "يا لبنى.. إنتي معندكيش فكرة أمي دي شوفت منها إيه."
الجزء التالت:
"هاني" مهجمش علينا.. وده اللي خلاه مرعب أكتر.
قفل الباب المكسور وراه بهدوء، وكأنه لسه راجع من
* "اقفلي التليفون."
مقفلتهوش.
موظف النجدة كان عمال يسأل عن العنوان.. أجبرت نفسي إني أقوله بوضوح.
وش "هاني" اتشنج وقال: "إنتي بتغلطي غلطة عمرك."
"وفاء" ردت من جنبي: "إنت اللي غلطتها من زمان."
لأول مرة من يوم ما عرفته، شفت "هاني" بيبص لأمه بكره حقيقي.. مش زهق ولا تعب.. كره صافي.
زعق فيها: "كان المفروض تشكريني! أنا اللي شلت كل حاجة بعد وفاة أبويا.. أنا اللي وقفت العيلة دي على رجليها."
* "إنت سرقتني،" وفاء قالتها بحدة.
* "أنا خدت حقي اللي كان كدة كدة هيبقى بتاعي."
الاعتراف نزل على وداننا زي الصاعقة.
سيبت الخط مفتوح وحطيت الموبايل على ترابيزة المطرقة. "هاني" خد باله، بس صوت السرينة بدأ يبان من بعيد. ملامحه اتغيرت.. بدأ يحسبها، بيفكر في القصة اللي هتنقذه المرة دي.
بصلي وقال: "لبنى، اسمعيني.. أمي طول عمرها بتعرف تمثل، وبتعرف تخلي الناس تشفق عليها.. الورق ده كان مؤقت، كنت بحمينا."
* "بتحمينا بإنك تزور إمضتي؟"
سكوته كان هو الرد.
قرب من الدوسيه عشان ياخده، بس أنا سبقت وخطفته. "هاني" حاول يمسك دراعي، وبقوة مكنتش أتخيل إنها لسه عندها، "وفاء" زقت الكرسي المتحرك بتاعها بكل عزمها في رجله. كعبلته، خبط في الترابيزة والورق اتنطر في الأرض.
جريت على الباب وفتحته في نفس اللحظة اللي أمينين شرطة كانوا طالعين فيها السلم.
"هاني" اتحول في ثانية.
وشه هدي، كتافه نزلت، ورفع إيده الاتنين.
وقال بتمثيل متقن: "الحمد لله إنكم جيتوا.. مراتي جالها حالة عصبية وماما مش في وعيها
واحد من الأمناء بص لـ"وفاء": "يا حاجّة، تقدري تقوليلي اسمك إيه؟"
ردت بوضوح تام: "وفاء محمود سليمان.. مواليد 4 يونيو 1949.. ابني بيخدرني من ورايا عشان يسرق أملاكي."
"هاني" ضحك بسخرية: "شوفتوا؟"
بس "رشا" وصلت بعد ربع ساعة ومعاها محامي من المكتب. في الوقت ده، الشرطة كانت شافت الورق المزور، وتحويلات البنك، وإيميل دار الرعاية، وعلب الحبوب اللي كانت مستخبية في دولاب "هاني" المقفول.. اللي مكنش عليها اسم "وفاء".
"هاني" اتقبض عليه في يومها.
القضية مخلصتش بسرعة.. الرجالة اللي زي "هاني" بيبنوا حياتهم من بره بشكل يلمع، وبياخدوا وقت عشان يتكشفوا على حقيقتهم. التحقيقات كشفت إنه سحب مبلغ ضخم من حسابات "وفاء" واستخدم بياناتي عشان ياخد قرض بضمان البيت. شركته كانت فلست من 8 شهور، وبدل ما يقولي، رسم واقع جديد كان فيه الكل مجانين وهو الضحية.
"وفاء" بدأت تتحسن بالراحة.. "الخرف" اللي "هاني" كان بيوصفه اختفى تماماً بمجرد ما بطلت تاخد المخدر. لسه عندها ضعف من الجلطة، بس بالعلاج الطبيعي بدأت تمشي مسافات قصيرة تاني.
أنا طلبت الطلاق قبل المحاكمة.
هو اعترف بجرايم النصب والتزوير وإعطاء أدوية بدون علم المريض.. وخد حكم بالسجن، مع أمر عدم تعرض ليا ولأمه.
"وفاء" نقلت معايا في بيت جديد. مكنتش علاقتنا قوية في الأول.. كان فيه وجع كبير بينا، وكنت حاسة بالذنب إني مصدقتهاش من بدري. بس كل يوم الصبح، بنشرب القهوة مع بعض في البلكونة.
في يوم، طبطبت على إيدي وقالت: "إنتي فتحتي الباب في الوقت الصح."
بصيت للست دي اللي جوزي حاول يمسح وجودها، وفهمت الحقيقة.
"هاني" مسبليش حمل تقيل.
هو سابلي الشخص الوحيد اللي كان شجاع كفاية عشان ينقذنا إحنا الاتنين.