فاصِـل ونواصِـل ​بقلم: منـي السـيد

لمحة نيوز

قصة: فاصِـل ونواصِـل

بقلم: منـي السـيد

​"إزاي يعني تقولي مش هقدر أشيلهم؟" أختي بسمة سألتني بحدة، ووشها احمرّ وبصت لي كأنني خانت العيلة كلها.

​أبويا ساب الشوكة من إيده، وبص لي البصة الباردة اللي كلها خيبة أمل، البصة اللي متعود يستخدمها عشان يحسسني بالذنب ويصغرني قدام نفسي. "ليه الأنانية دي يا مريم؟" قالها بلهجة قاسية.. "عمرك ما فكرتي غير في نفسك وبس."

​أخدت نفس عميق.. ولأول مرة من سنين.. معتذرتش.

​أنا اسمي مريم.. عندي اتنين وتلاتين سنة. عايشة لوحدي في شقة صغيرة قريبة من مطار القاهرة، بشتغل في شركة شحن ولوجستيات، مواعيدي متبهدلة، شفتات مرهقة، وزنّ الطيارات بيفضل في وداني حتى بعد ما برجع لبيتي. مخلفتش.. ومتجوزتش. وعشان السبب ده، عيلتي قررت من زمان إن وقتي ملوش قيمة، وإن حياتي ملك للكل إلا أنا.

​بالنسبة لهم، حياتي سهلة. لو بسمة عايزة تخرج، أنا اللي أشيل ولادها. لو ماما عندها مشوار، أنا اللي أوديها. لو بابا محتاج مصلحة، لازم أكون فاضية. في أي طوارئ، راحتي هي أول حاجة بتتدبح

على دبح صلة الرحم.

​في الأول مكنتش بمانع.. كنت بحب ولاد أختي، ياسين وسلمى. أطفال زي العسل، شقاوة ودوشة وكلام مبيخلصش عن الكارتون والمدرسة. لما بسمة كانت تطلب مني أقعد بيهم ساعة، كنت بقول ماشي. الساعة كانت بتبقى تلاتة.. والظهرية كانت بتبقى ليلة كاملة. ولما كانت ترجع متأخر، بميك آب كامل وموبايلها في إيدها، كانت تبتسم وتقولي: "يا حبيبتي يا مريم، تعبتك.. أنتِ الوحيدة اللي بأمن عليهم معاكي."

​لسنين، كنت فاكرة إن ده حب.. لحد ما استوعبت إنه قيد.

​أجازة العيد دي كانت أول حاجة أخطط لها لنفسي من فترة طويلة قوي. مكانتش رحلة غالية ولا فارهة.. كانت أسبوع في الغردقة مع تلاتة من صحباتي من أيام الجامعة. أجرنا شقة بسيطة قريبة من البحر، حجزنا طيران اقتصادي، وعملنا لستة صغيرة بالحاجات اللي هنعملها: نشوف الشروق.. ناكل سمك على البحر.. ننام من غير منبه.. نتمشى من غير ما حد يطلب مننا حاجة.

​غيرت شفتاتي.. طلبت الأجازة قبلها بشهور.. وحوشت كل قرش. على باب التلاجة، كنت معلقة ورقة بالطلبات: (مايوه.. صن

بلوك.. شاحن.. بطاقة.. تذكرة الطيران). كل ما أبص للورقة دي، كنت بحس بحاجة غريبة في صدري.. فرحة على خوف، على إحساس إن حياتي لأول مرة هتبقى ملكي لمدة أسبوع.

​بسمة كانت عارفة كل حاجة. قلت لها ميعاد السفر، الميعاد اللي هنزل فيه من البيت، اسم الفندق، حتى لون الفستان اللي هلبسه أول ليلة. كانت بتسمع وتسأل وتبتسم، كأنها فرحانة لي. دلوقتي بس فهمت إنها مكنتش بتشاركني فرحتي.. كانت بتحسب الخسارة اللي هتقع عليها لما "الدادة المجانية" تغيب.

​يوم الأحد اللي قبل السفر، أهلي عزمونا كلنا على الغدا في بيتهم في مصر الجديدة. أمي عملت محشي ورق عنب وفراخ محمرة، وأبويا كان مشغل أم كلثوم في الصالة. وبسمة وصلت متأخرة كالعادة، وجرّة وراها شنطة ألعاب والعيال متعلقين في رجلها. كنت راجعة من الشغل مهدودة، بس قلت لنفسي استحملي الغدا ده، وبعدها هتبقي حرة.

​خلال الأكل، بسمة كانت ساكتة بزيادة.. وده كان لازم يقلقني. في العادي، مبيفصلش كلام عن الزحمة والمصاريف وجوزها وتعب التربية. لكن اليوم ده، استنت لحد ما الكل خلص

أكل وقعدنا بنشرب الشاي، وفجأة رمت القنبلة: "تخيلوا، الست اللي بتساعدني في البيت اعتذرت عن أسبوع العيد كله.. مش عارفة هعمل إيه في العيال ومورايا التزامات."

​محدش رد.. السكوت ده كان قديم ومألوف. ده السكوت اللي الكل فيه بيمثل إنه بيفكر، بس في الحقيقة هما مستنيين مريم ترفع إيدها وتنقذ الموقف. أمي بصت في كوباية الشاي، وأبويا كحّ، وبسمة مكنتش بتبص لي مباشرة، بس جسمها كله كان ناحيتي.

​حسيت بضربات قلبي بتخبط في صدري. قلت بوضوح: "أنا مش هقدر."

بسمة لفت وشها لي ببطء: "يعني إيه مش هتقدري؟"

  • ​"يعني مسافرة.. أنا قايلة لكم من شهور." تعبيرات وشها اتغيرت للذهول والضيق: "يا مريم، دول ولاد أختك!"
  • ​"عارفة."
  • ​"ده أسبوع واحد!"
  • ​"وده برضه الأسبوع الوحيد اللي هاخده أجازة طول السنة."

​أبويا ضحك ضحكة جافة: "أجازة؟ أختك عندها مسؤوليات حقيقية.. أنتِ رايحة تتفسحي على البحر وتصيفي!" أهي.. هي دي الرسالة القديمة، احتياجاتي أنانية واحتياجاتهم مقدسة.

​بسمة بدأت ترص حججها: جوزها عنده نبطشيات، الحضانة قافلة،

الدادة غالية، والعيال بيحبوكي. أمي حاولت تهدي

تم نسخ الرابط