تحت التقييم منى السيد

لمحة نيوز

تحـت التقييـم

بقلم: منـي السـيد

​"أنا زهقت من كتر الشكاوى! طب ما تطبخ إنت!" قالتها مي بنبرة حادة، بس في الآخر صوتها هدي وبقى همس وهي بتركن الطاسة على جنب. الزيت كان بيشّ كأنه هو كمان متضايق.

​مي كانت واقفة قدام البوتاجاز لما صوت المفتاح في الباب كسر الهدوء. الساعة كانت ستة بالظبط. أحمد رجع من شغله زي كل يوم. بصت بسرعة على الأكل الشوربة بتغلي على نار هادية، والبطاطس في الفرن قربت تستوي.

تالت سنة جواز. شقة صغيرة في أطراف القاهرة، شاريينها سوا بقرض. مي شغالة محاسبة، مرتبها حوالي 12 ألف جنيه. أحمد مهندس، بياخد حوالي 15 ألف جنيه. القسط 6000 جنيه، والمصاريف حوالي 10 آلاف جنيه. عيشة متوسطة بس مستقرة.

​أحمد علّق الجاكيت ودخل المطبخ. باسها على راسها وقال:

— إيه الأكل النهارده؟

— شوربة بطريقة جديدة قالت مي بابتسامة خفيفة.

قعد، خد معلقة، داق. سكت شوية، وبعدين كشر.

— خفيفة زيادة قالها ببرود.

مي شدّت على المعلقة.

— بجد؟ أنا شايفاها حلوة.

— لا شوربة أمي كانت أتقل وطعمها أقوى.

​مي مردتش. قامت شالت طبقها ونفسها اتقفلت. بصت من الشباك، وفي قلبها

وجع تقيل. أحمد خلص أكله وقال:

— يعني تمشي حالها تسلم إيدك.

الجملة وقعت عليها زي الضربة. فضلت ترددها جواها: "تمشي حالها".

​بعد أسبوع، كانوا مستنيين عزومة أخت أحمد منى، وجوزها، وأمه الحاجة فاطمة، وابن خاله. مي تعبت جدًا عملت فطيرة كرنب، عجنت بإيديها كذا مرة، وركزت في كل تفصيلة. الكل أكل وانبسط. المدح كان واضح. حتى الحاجة فاطمة قالت إن الطعم حلو، وابن الخال طلب الوصفة.

بس أحمد قال بابتسامة خفيفة:

— حلوة طبعًا بس عجينة منى أطرى.

منى حاولت تدارك الموقف:

— لا يا أحمد، مي عاملاها ممتازة.

بس مي كانت خلاص اتكسرت من جواها. قامت وقالت:

— هدخل أغسل المواعين.

​وقفت قدام الحوض، حطت إيديها تحت المية الساقعة ونفسها تقيل. ليه دايمًا قدام الناس؟ ليه مش بيستنى؟ بعد ما مشيوا، أحمد قال:

— يا مي، متكبريش الموضوع أنا مقصدتش حاجة.

هزّت راسها بس من غير اقتناع.

​الويك إند، مي فتحت اللاب وقعدت تدور على وصفات. جابت كشكول وكتبت كل حاجة بالتفصيل: مقادير، خطوات، ملاحظات. كانت بتتعلم كأنها في سباق. أحمد قدام التلفزيون وهي في المطبخ بتحاول تثبت نفسها. الإثنين، عملت

سفرة كاملة. أحمد دخل وقال:

— إيه ده كله؟

— ولا حاجة جرب بس.

بدأ ياكل وهي باصة له مستنية كلمة ترضيها.

— إيه رأيك؟

— حلو بس كفتة أمي أطرى شوية.

ابتسامتها اختفت ونزلت عينيها.

— تمام.

​بالليل، كلمت صاحبتها سارة:

— يا سارة، هو دايمًا بيقارنني بأمه وأخته أنا تعبت.

— طب ما يطبخ هو قالت سارة.

مي ضحكت بسخرية خفيفة:

— ده ميعرفش يسلق بيضة.

​بس الجملة فضلت في دماغها. الأحد، راحوا عند الحاجة فاطمة. السفرة مليانة أكل. منى جايبة سمبوسك سخنة. أحمد داق، وفرح جدًا:

— دي تحفة! هاتي كمان!

كرر الأكل كذا مرة. مي كانت بتاكل من غير نفس. في الطريق، قال:

— لازم تتعلمي من منى.

مي سكتت.

— مالك؟

— تعبانة.

— طب ارتاحي.

​في البيت، نامت على جنبها. هو شغّل التلفزيون وهي باصة في الحيطة الشروخ اللي فيها شبه إحساسها. جواها حاجة بتتكسر. الأيام بقت شبه بعض. تصحى بدري، تطبخ، تتعب. وهو ياكل من غير كلمة تقدير.

الخميس، عملت رز باللحمة بشكل وطعم ممتاز. أحمد داق وبعدين قال:

— الرز معجن واللحمة ناشفة.

— إزاي؟ صوتها كان ضعيف.

— بتحصل.

​مي قامت بهدوء. شالت الطبق ومشيت

ناحية الزبالة. ورمته كله. أحمد اتفاجئ:

— إنتي بتعملي إيه؟! أنا مقولتش إنه ميتأكلش!

بس مي كانت واقفة ساكتة.

— بس إيه؟ قاطعته مي من غير ما تبص له. صوتها كان بيترعش مش من زعل، من تعب.

أحمد هز كتافه باستغراب:

— أنا بس قلت الحقيقة إيه اللي مكبّر الموضوع كده؟

قفلت الحنفية، ولفت له. وشها هادي زيادة عن اللزوم.

— عارف يا أحمد؟ أنا مش قادرة أكمل في امتحان إنت فيه الحكم طول الوقت. تعبت من إني أطبخ عشان آخد درجة.

اتنهد بضيق:

— تاني دراما؟ خدي الأمور ببساطة شوية.

مي سكتت لحظة. مسكت فوطة، نشفت إيديها، وقالت بهدوء غريب:

— تحب الصراحة؟ أنا حاسة نفسي شغالة في مطبخ مش بيتي. ده مش بيت وأنا مش زوجة أنا مجرد ظل واقف قدام البوتاجاز.

أحمد مال على الكرسي:

— لا بجد كده كتير أنا بس قلت الرز ما ظبطش. إنتي دايمًا بتاخدي كل حاجة على أعصابك!

— عشان الـ "بس" بتاعتك كل مرة بتوجع أكتر قالت بصوت واطي وكل مرة بتاخد حتة مني.

​سكون. صوت الساعة بيعدّي. كلب بينبح من شقة تانية. مي قلعت المريلة، طبقتها بإيدها، وعلقتها. وبعدين قعدت قدامه وبصت له لأول مرة من غير ما تنزل عينيها:

من بكرة مفيش أكل. لا شوربة، ولا كفتة، ولا رز. لو جعان اطبخ لنفسك.

— إنتي بتتكلمي بجد يا مي؟ قالها وهو مكشر كل ده عشان موضوع تافه؟

تـمت

تم نسخ الرابط