خلف الأبواب العالية

لمحة نيوز

"شريف" كان لسه واقف مبرق للسرينة اللي بتقرب، وأمه "نادية" كاسها وقع من إيدها واتفرفر ميت حتة على الرخام. الهدوء اللي كان مالي المكان اتحول لهرج ومرج في ثانية، الخدم بقوا يجروا والضيوف اللي كانوا لسه واصلين وقفوا بعيد مصدومين. شريف قرب مني وعيونه بدأت تطلع شرار، ووشه اللي كان "باشا" وبيرسم العظمة اتقلب لوش مجرم حقيقي.
قرب مني وهو بيوشوشني بصوت واطي ومليان غل: "أنت فاكر إنك لما تلم علينا الحكومة هتخرج من هنا بطل؟ أنا همحي اسمك من السجل المدني يا محمود، وبنتك دي مش هتشوف الشمس تاني".
بصيت له بمنتهى البرود وسندت راس "ليلى" على الجاكت بتاعي أكتر، وقلت له: "أنت لسه مش فاهم يا شريف.. أنت فاكر إن اللواء رأفت ده مجرد صاحب؟ ده كان رئيسي في المخابرات قبل ما أطلع معاش.. وأنا النهاردة مكلمتوش كصديق، أنا بلغت عن جريمة متصورة صوت وصورة".
أمه صرخت فيا: "فيديو إيه وكلام فارغ إيه؟ أنت في بيت عيلة التهامي، إحنا اللي بنقول إيه اللي

حصل وإيه اللي محصلش! ارموا الراجل ده بره!".
في اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف، ودخلت قوة من العمليات الخاصة مش مجرد عساكر عاديين. اللواء رأفت كان في المقدمة، وشه مبيتفسرش. شريف حاول يمثل الدور تاني وبدأ يظبط هدومه وقال بصوت عالي: "يا فندم الراجل ده اقتحم بيتي وبنتي مراتي تعبانة وهي..."
رأفت مقطعهوش، هو بس بصلي ونزل لمستوايا وقال: "حمد لله على سلامتها يا محمود.. فين الأمانة؟".
طلعت تليفون "ليلى" وفتحته، وشغلت الفيديو على أعلى صوت. الفيديو مكنش بس بيوري شريف وهو بيضربها، لا.. ده كان مبين "نادية" وهي ماسكة "ليلى" من شعرها وبتقول لابنها: "خلص عليها وقول إنها كانت بتسرق وحاولت تهرب، إحنا مش هنسمح لواحدة زي دي تلوث سمعة العيلة بطلب طلاق".
الصوت كان واضح لدرجة إن كل اللي في القصر سمعه. الصدمة خلت "نادية" تقع على الكرسي وهي حاطة إيدها على بوقها، وشريف وشه بقى لونه أزرق كأنه هو اللي اتخنق.
شريف حاول يهجم على التليفون وهو بيصرخ:
"ده مفبرك! دي ذكاء اصطناعي!". لكن قبل ما يلمسني، كان فيه عسكريين مكتفين دراعاته ورا ضهره وضاغطين على وشه في السجادة اللي كان بيتباهى بتمنها.
وقفت براحة وأنا شايل "ليلى" بين إيديا، كانت فتحت عينيها نص فتحة وبصتلي بدموع وقالت: "حميته يا بابا؟".
قلت لها وأنا ببص في عين شريف اللي مرمي على الأرض: "حميته ودفنت مستقبله كمان يا قلب بابا".
رأفت بص لشريف وقال للرجالة بتوعه: "خده هو والست الوالدة.. تهمة شروع في قتل، واحتجاز بدون وجه حق، وتضليل العدالة.. والمرة دي مفيش تليفونات هتترد يا شريف بيه، الملف ده طالع لنيابة أمن الدولة علطول".
وأنا خارج من باب الفيلا وبنتي في حضني، نادية صرخت ورايا: "مش هنسيبك يا محمود! الفلوس هتحرقك!".
وقفت عند العتبة ولفيت راسي وقلت لها جملة واحدة: "الفلوس بتشتري سجاد غالي، وبتشتري قصور، وبتشتري ناس رخيصة.. بس مابتشتريش أب مكسور، ولما الأب ده بيقرر ينتقم، قصوركم بتبقى مجرد ورق كوتشينة في مهب الريح.
. عيشي بقيت أيامك في الزنزانة وفكري في 'بيتي الصغير الكئيب' يمكن تحسي بالراحة هناك".
نزلت السلم الرخام، وشوفت الشمس طالعة بجد لأول مرة من سنين. حطيت ليلى في عربيتي الـ "فيات" القديمة، اللي شريف كان بيتريق عليها، ودورت الموتور. العربية دارت من أول مرة بصوت قوي، وكأنها هي كمان كانت مستنية اللحظة دي. مشيت من وسط العربيات المرسيدس والبي إم اللي كانت سادة الطريق، والكل كان بيوسع لي كأني ملك ماشي في وسط حاشيته.
ليلى مسكت إيدي وهي في الكرسي اللي جنبي وهمست: "شكراً يا بابا إنك مصدقتش كلامهم".
بصيت لها وابتسمت: "أنا عمري ما صدقت غير دقات قلبك يا بنتي.. والنهاردة القلب ده رجع يدق حر من تاني".
سبت فيلا التهامي ورايا وهي بتتحول لسرادق عزا، مش لموت حد، لكن لموت جبروتهم اللي افتكروا إنه ملوش نهاية. ومن يومها، ليلى بقيت هي اللي بتصحى تفتح شبابيك بيتنا الصغير، اللي مابقاش كئيب خالص، بل بالعكس.. بقى البيت الوحيد اللي فيه كرامة في
المنطقة كلها.
 

تم نسخ الرابط