العودة من الموت
الصالة الرئيسية لشركة "جرانت للشحن" بقت ساكتة فجأة لدرجة إني سمعت صوت كاس العصير وهو بيقع من إيد "نرمين" ويتحطم على الرخام.
"كريم" فضل يبصلي وكأن جريمته قامت من القبر وبقت تمشي على رجلها. فتح بقه يحاول ينطق بس مفيش صوت طلع. "نرمين" مسكت في دراعه بضوافرها اللي كانت لسه عاملة لها "مانيكير" وهي مرعوبة.
مشيت بالراحة، لأن الحروق اللي في رجلي الشمال كانت لسه واجعاني تحت فستاني الأسود. شعري كان مقصوص قصير مكان ما النار طالته، وكان فيه لزقة طبية مدارية رقبتي. بس كنت واقفة، وبنفس، وعايشة.
"إيمان!" كريم همس أخيراً بصدمة. "الحمد لله.. أنا كنت فاكر..."
قلتله ببرود: "كنت فاكر إن العربية ولعت كفاية؟"
بدأ الهمس يزيد بين الموظفين والمديرين اللي كانوا متجمعين. فيه اللي بص في الأرض، وفيه اللي فضل مبحلق. دول الناس اللي "كريم" قعد عشر أيام يفهمهم إني مريضة نفسياً ومكتئبة ومتهورة. هو مكنش يعرف إن "مراد" طلعني قبل الانفجار بثواني، ولا يعرف إن المستشفى سجلتني باسم مستعار عشان يحموني، ولا يعرف إن "رأفت" محامي بابا جمد كل أصول الشركة من أول لحظة فوقت فيها.
المحققة "ليلى" قربت وقالت: "كريم، نرمين.. ممنوع حد فيكم يتحرك من هنا."
نرمين وشها بقى أصفر: "ده كلام فاضي، هي أكيد مهلوسة، دي كانت في حريقة!"
بصيت في عينيها وقلت: "انتي لابسة البالطو بتاعي."
شفايفها بدأت تترعش.
المحامي "رأفت" حط ملف جلد على المكتب وقال: "قبل ما الأستاذ "صلاح جرانت" يموت، عدل وصيته؛ لو الأستاذة إيمان ماتت في ظروف غامضة، كل الأسهم تتجمد لحين التحقيق.
وش كريم اتخطف: "متقدروش تعملوا كده!"
رأفت رد بهدوء: "اتعمل خلاص."
بعدها "مراد" سلم المحققة كيس فيه "كاميرا عربية" محروقة شوية؛ كانت في عربية مراد وصورت كريم ونرمين وهم بيسيبوا عربيتي وهي بتولع. الصورة مكنتش واضحة في الكلام، بس كانت واضحة جداً وهم ماشيين وأنا صوتي جايب لآخر الطريق.
كريم حاول يهجم على مراد، بس العساكر مسكوه.
بدأ يزعق وشكله الشيك ده وقع تماماً: "أنتم مش فاهمين! دي كانت هتدمرني! أبوها كان بيعاملني كأني خدام عنده، الشركة دي من حقي أنا!"
حسيت ببنني بتتحرك تحت إيدي.
قلتله: "لأ، أنت كنت عايز حاجة متعبتش فيها."
نرمين بدأت تعيط بتمثيل، بس دموعها كانت متأخرة قوي. أول واحدة باعت كانت هي؛ بصت لكريم وقالت: "هو اللي خطط لكل حاجة! قالي إنه هيخوفها بس عشان تمضي على ورق التنازل!"
كريم اتجنن وبص لها: "ده أنتي اللي كنتي بتتحايلي عليا أخلص منها!"
المحققة ليلى كانت بتبص لهم ببرود وقالت: "كملوا كلام، كملوا."
ده كان غلطهم؛ الخوف خلاهم يغلطوا، والغرور خلى كريم ينكشف، وحب النفس خلى نرمين تخونه. في دقايق، كانوا بيلبسوا بعض التهم قدام الكاميرات والظباط والمديرين. أنا معليتش صوتي ولا انهرت؛ خوفي كله خلصته جوه العربية وهي بتولع.
وهما بيلبسوا كريم الكلبشات، بصلي آخر بصه وقال: "عمرك ما هتعرفي تربي العيل ده لوحدك."
مراد قرب خطوة، بس أنا وقفته بإيدي. كنت عايزة أرد عليه بنفسي.
قلتله: "أنا مش هكون لوحدي.. بس أنت اللي هتكون لوحدك."
أبواب الأسانسير
كريم وطى راسه عشان يداري وشه من الكاميرات.
لأول مرة من يوم ما اتجوزته، شفته صغير قوي.
المحاكمة بدأت بعد أربع شهور، بعد ما بنتي "ليلى" نورت الدنيا في يوم شتوي هادي. جت بدري شوية، صغننة بس قوية، وصوت صريخها كان عالي لدرجة إن الممرضة ضحكت وقالت: "دي نازلة جاهزة عشان تاخد حقها."
عيطت وأنا ضماها على صدري. مش عشان كريم، ولا عشان الجروح؛ عيطت لأني وعدتها في العربية وهي بتولع إننا لو عشنا، مفيش مخلوق هيتحكم في مصيرنا تاني.
محاميين كريم جربوا كل حاجة؛ قالوا إني فقدت الذاكرة، وقالوا إن الجواز كان فيه مشاكل، وإن نرمين هي اللي غيرانة ومجنونة. ومحاميين نرمين قالوا إن كريم هو اللي ضحك عليها. في الوقت ده، كانوا الاتنين بقوا أعداء لبعض تماماً. بس الحقيقة دايماً بتبان وسط التمثيل ده كله.
النيابة قدمت تسجيل الكاميرا، وتاريخ بحث كريم على الإنترنت عن "حوادث العربيات" و"صرف التأمين". وطلعوا رسايل بينهم بيتكلموا فيها عن "الحل النضيف" و"لازم نسيطر قبل ما العيل يجي". ميكانيكي شهد إن خرتوم البنزين كان مقطوع بفعل فاعل، ودكتوري شهد إن كريم كان بيسأل أسئلة غريبة عن "هل التوتر الزيادة ممكن يجهض الجنين".
لما جه دوري ووقفت قدام المحكمة، كنت مركزة بس مع المحلفين.
حكيتلهم عن حزام الأمان اللي كان معلق، عن الدخان، عن نرمين وهي واقفة بالبالطو بتاعي، وعن كريم وهو بيقولي "مع السلامة" كأنه بيدفني
كريم مكنش قادر يحط عينه في عيني.
نرمين كانت بتعيط، بس لما النيابة شغلت تسجيل من موبايل كريم وصوتها طالع فيه وهي بتقول: "أول ما إيمان تغور، مفيش حد هيقدر يلمسنا،" بطلت عياط فجأة.
المحكمة حكمت على كريم بالأشغال الشاقة المؤبدة بتهمة الشروع في القتل والتزوير، ونرمين خدت حكم سجن طويل بصفتها شريكة.
لما نطقوا بالحكم، أم كريم بصت لي بحقد كأن نجاتي دي كانت إهانة لعيلتها. بصيت في عينيها من غير ولا كلمة. فيه ناس بتحتاج تخلق "شيطان" قدامها عشان مش قادرين يواجهوا حقيقة إن ابنهم هو اللي مجرم.
شركة الشحن رجعت تحت سيطرتي بالكامل. غيرت اسمها لـ "مجموعة جرانت ومراد"، تكريماً لبابا وللراجل اللي أنقذني. "مراد" رفض أي مكافأة، فطلبت منه يمسك قطاع التأمين والحراسة في المجموعة كلها، ووافق بشرط واحد: "مش هلبس كرافتة أبداً".
مع الوقت، الحروق اللي في رقبتي لونها هدي وبقت مجرد علامات فضية. الكوابيس بدأت تقل. "ليلى" كبرت وخدت عيون كريم السودة بس خدت "قورة" بابا الناشفة. ساعات كنت بتوجع لما بشوف ملامحه فيها، بس في الأغلب مكنتش بتهز. هي مش "جريمة"، هي "حياتي" اللي بدأت بعد الجريمة دي.
بعد سنة من الحادثة، رحت بالعربية لنفس الطريق اللي كريم سابني فيه. "مراد" كان معايا، واقف بعيد شوية بهدوء وأنا بحط وردة بيضا على الأرض.
الهوا كان بيحرك الزرع الناشف حواليا.
بصيت لشكلي في إزاز العربية: أم، ناجية، وست مبقتش تسأل "ليه ده حصل لي؟".
عرفت الإجابة خلاص.
الغدر اختارني عشان كريم افتكر إني
والغدر سابني عشان هو طلع غلطان.