معاملة غير عادلة
فضلت واقفة ثواني طويلة من غير ما أتحرك، عيني عليها بس، وكل تفصيلة صغيرة بتتحفر جوايا كأنها سكينة. صوت الميه وهي بتخبط في الحوض، احتكاك السلك في الطبق، ضحكة خفيفة طالعة من الصالة… وكل ده وهي ساكتة، مستحملة، كأن ده الطبيعي.
نطقت بهدوء:
“لولي…”
إيديها اتجمدت في الهوا، وبصتلي ببطء. في لحظة، وشها نور… وبعدين بسرعة النور ده انطفي، كأنها خايفة تفرح.
“ماما؟”
الكلمة خرجت منها مهزوزة، مش مليانة أمان زي زمان… مليانة خوف.
أمي ظهرت من المطبخ في نفس اللحظة، ماسكة فوطة، وقالت بنبرة عادية كأن مفيش حاجة:
“إيه ده؟ ماقولتيش إنك جاية.”
بصتلها بس من غير ما أرد. مشيت ناحية بنتي، مسكت الطبق من إيديها بهدوء، وحطيته في الحوض، وبعدين شيلتها في حضني.
جسمها كان خفيف… أخف من الطبيعي.
همست في ودني:
“أنا كنت بخلص بسرعة عشان مايزعلوش…”
قلبي انقبض.
“مين يزعل؟”
بصت ناحيتهم… ناحية
ساعتها بس، أختي أوليفيا دخلت وهي بتضحك:
“إيه يا بنتي؟ دراما على إيه؟ دي بتتعلم تساعد… عادي يعني.”
ضحكة بناتها وراها كانت أعلى.
بصيت حواليّا تاني… المطبخ النضيف، الأطباق المتكومة، بنتي اللي كانت بتشتغل لوحدها، والباقي قاعدين بيتفرجوا.
ووقتها… فهمت.
مش غلطة لحظة.
مش هزار تقيل.
ده نظام.
حطيت بنتي على الأرض بهدوء، ومسكت إيدها، وقلت لها:
“روحي هاتي شنطتك.”
أمي عقدت حواجبها:
“شنطة إيه؟ هي لسه قعدة كام يوم—”
بصتلها المرة دي، وقطعت كلامها بنبرة هادية بس تقيلة:
“دلوقتي.”
سكتت.
يمكن لأول مرة في حياتها… تسكت.
لولي جريت على أوضتها، وأنا واقفة مكاني، سايبة الصمت يملأ البيت كله. مفيش حد ضحك المرة دي.
أختي حاولت تكسره:
“انتي مكبرة الموضوع قوي… دي شوية مواعين يعني—”
بصتلها من غير ما أرفع صوتي:
“بناتك عمرهم وقفوا مكانها؟”
ما ردتش.
طبعًا ما ردتش.
رجعت
فتحت الكاميرا.
أمي اتوترت:
“بتعملي إيه؟”
لفيت بالكاميرا على المطبخ… على الأطباق… على الكرسي اللي كانت واقفة عليه… وبعدين على الصالة، على بنات أختي قاعدين بيتفرجوا.
وسجلت صوتي بهدوء:
“ده بيت أهلي… والبنت دي عندها ٦ سنين… ودي الطريقة اللي بيتعاملوا بيها معاها.”
أختي قامت مفزوعة:
“انتي اتجننتي؟ اقفلي الزفت ده!”
ما قفلتش.
بصيت في الكاميرا وقلت:
“أنا بس حبيت أوثق الحقيقة… عشان لما حد يسألني ليه بنتي عمرها ما هتيجي هنا تاني… يبقى عندي جواب.”
قفلت التسجيل… وحطيت الموبايل في شنطتي.
أمي حاولت تتماسك:
“انتي بتبالغي… احنا بنربيها—”
ضحكت ضحكة صغيرة… بس مفيهاش أي هزار:
“لا… انتي بتكسريها.”
سكتت.
مسكت إيد بنتي ولفيت ناحية الباب.
قبل ما أخرج، وقفت لحظة… وقلت من غير ما أبص ورايا:
“بالمناسبة… البيت
الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل… تقيل لدرجة إني سمعته وانا نازلة على السلم.
أختي صوتها اتكسر:
“انتي بتقولي إيه؟”
فتحت الباب… وقلت بهدوء:
“العقد اللي بابا مضاه قبل ما يمشي… كان نقلي الملكية ليا. وأنا سيباهولكم احترامًا… مش حق ليكم.”
وبعدين بصيت عليهم آخر مرة:
“ويمكن كنت ناوية أسيبه لكم فعلًا… بس بعد اللي شفته النهارده؟ لا.”
نزلت درجات السلم خطوة خطوة، ولولي ماسكة في إيدي جامد.
ورايا، أصواتهم عليت… صريخ، إنكار، تبرير… بس ما وقفتش.
في العربية، قعدت لولي جنبي وسكتنا شوية.
بعدين سألتني بصوت واطي:
“أنا عملت حاجة غلط؟”
بصتلها، ومسحت على شعرها:
“انتي عملتي اللي طلبوه منك… بس أنا غلطت إني سيبتك هنا.”
حضنتها، وهي دفنت وشها في حضني كأنها أخيرًا ارتاحت.
شغلت العربية، ومشيت.
بعد يومين، بعت لهم إنذار رسمي بالإخلاء.
وبعد أسبوع، الفيديو كان عند محامي…
أنا ماكنتش عايزة فضيحة.
أنا كنت عايزة حق.
ولأول مرة في حياتهم…
فهموا إن السكوت اللي كانوا متعودين عليه… انتهى.