لم يقف احد بجانبي
فتحتُ الملف ببطء، وكانت أنفاسي مسموعة في سكون الغرفة الذي لم يقطعه سوى طنين أجهزة التكييف. كانت الأوراق تحتوي على كشوفات حساب لم أتخيل وجودها، وتوكيلات عامة حاول والدي استخراجها باسمي وأنا تحت تأثير البنج، مستغلين علاقات والدي القديمة ببعض الموظفين. لقد حاولوا حرفياً إثبات أنني غير مؤهلة عقلياً لإدارة شركتي بسبب انهيار عصبي مزمن ناتج عن ضغط العمل، لكي تؤول الوصاية المالية لهم. شعرتُ حينها ببرودة تجتاح روحي، ليست برودة المرض، بل برودة الانتقام. نظرتُ إلى نادر، المحامي الذي لا يعرف الرحمة، وقلتُ له بصوت لم أعهده في نفسي من قبل ابدأ بالإخلاء.. الآن.
في صباح اليوم التالي، وبينما كان جمال وسلوان يستمتعان بقهوتهما الصباحية في شرفة الفيلا، توقفت ثلاث سيارات نقل أثاث أمام البوابة. لم يكن معهم عمال فقط، بل كان معهم مأمور تنفيذ
لم يقتصر الأمر على الفيلا، ففي تلك اللحظة التي طُردوا فيها إلى الشارع بملابسهم فقط، كانت بطاقات الائتمان البلاتينية قد توقفت تماماً. وعندما حاول والدي تشغيل سيارة التاهو السوداء، وجد أن نظام التتبع قد أغلق المحرك عن بُعد، وأن سيارة الونش بانتظاره لسحبها. وقفوا في وسط الكومباوند أمام الجيران الذين طالما احتقروهم، وهم لا يملكون
بعد أسبوع واحد، كنتُ أجلس في مكتبي ببرج نايل سيتي، أراقب النيل يتدفق بهدوء. دخلت عليّ سكرتيرتي لتخبرني أن هناك رجلًا وسيدة يطلبان مقابلتي بلهفة عند مدخل البرج، لكن الأمن منعهما. وقفتُ ونظرتُ من النافذة الزجاجية الكبيرة، رأيتُهما من بعيد؛ كان والدي يبدو قد كبر عشر سنوات في أسبوع، ووالدتي فقدت بريقها الزائف وبدت كامرأة عادية مكسورة. لم أشعر بالشفقة، بل شعرتُ بالحرية. طلبتُ من السكرتيرة أن ترسل لهما ظرفاً صغيراً مع أفراد الأمن. كان الظرف يحتوي على شيء واحد فقط ورقة المائتي جنيه المبللة التي ألقتها والدتي تحت قدمي عند المشفى، بعد أن جففتها وكويتها بعناية،
باع والدي ساعته الذهبية ليدفع إيجار شقة متواضعة في حي شعبي، وحاولت والدتي الاتصال بصديقاتها من النادي، لكن بمجرد أن انتشرت أخبار إفلاسهما المزعوم وفضيحتهما، أغلق الجميع الأبواب في وجوههما. لقد ذاقا أخيراً طعم رائحة المرض التي خافا منها، لكنه كان مرض الفقر والوحدة. أما أنا، فقد عدتُ لشركتي بقوة أكبر، وكلما شعرتُ بضعف، نظرتُ إلى الندبة الصغيرة في بطني وتذكرتُ أن الضربة التي لم تقتلني، جعلتني أملك العالم، بينما فقدوا هم كل شيء في اللحظة التي قرروا فيها أن ثمن ابنتهم مجرد ورقة نقدية ملقاة في الوحل. انتهت حكايتهم كفقاعة صابون انفجرت، وبدأت حكايتي أنا كمرأة لا تدفع ثمن الحب، بل تصنعه لمن يستحقه حقاً.