خيانة العهد

لمحة نيوز

وقفت مكاني والدم غلي في عروقي، مش بس من الصدمة، لكن من القهر اللي شفته في عيون هناء. سيبت الشنط والهدايا اللي كنت جايبها بدم قلبي، وقربت منها، قلعت الجاكيت بتاعي ولفيته حواليها وهي بتترعش ومنهارة. ياسين ابني كان بيبصلي بنظرة تايهة، كأنه مش عارف الراجل اللي لابس نضيف ده مين، بس ريحة "الزبالة" اللي في الطبق كانت أقوى من أي كلمة عتاب.
قومت وقفت، وسندت هناء اللي مكنتش قادرة تصلب طولها، ودخلت من الباب الجانبي للمطبخ، ومنه لصالة البيت الكبيرة. أول ما دخلت، المزيكا كانت بترج الحيطان، والأنوار والزينة في كل حتة. لقيت "رأفت" أخويا، لابس بدلة غالية جداً، وماسك كاس في إيده وبيضحك من قلبه وسط ناس مأعرفهمش، وتجار وشخصيات شكلها "مريش".
أول ما عينه جت في عيني، الكاس وقع من إيده اتفشفش ميت حتة. الضحكة اختفت وحل مكانها رعب مشفتهوش في حياتي. الصالة كلها سكتت. سحبت

هناء وابني لوسط الدايرة وقلت بصوت زلزل المكان: "منور يا رأفت.. القصر عجبني، والفلوس اللي كنت ببعتها شكلها عملت مجهود جبار.. بس ناقص حاجة واحدة في الديكور، ليه مراتي وابني قاعدين ورا البيت بياكلوا فضلات أكلك؟"
رأفت بدأ يتلعثم ويقول: "إبراهيم.. يا حبيبي حمد الله على السلامة.. أنت فاهم غلط.. هناء هي اللي.." مقدرتش أتمالك نفسي، لفيته ببوكس نيمته في الأرض وسط ضيوفه. "هناء هي اللي إيه؟ هناء اللي أمنتك عليها وعلى شرفي ومالي؟" فجأة طلعت مراته "سوزي" من المطبخ وهي لابسة دهب هناء اللي كنت شاريهولها قبل ما أسافر. أول ما شافتني وشافت هناء بالمنظر ده، وشها جاب ألوان.
هناء بدأت تتكلم وهي بتشهق: "كان بيحبسني في غرفة الغسيل يا إبراهيم.. كان بيقولي لو بعتي رسالة واحدة لجوزك هقتلك وأرمي ابنك في الملجأ.. كان بياخد الفلوس ويقول للناس إني مريضة نفسياً ومجنونة وعايشة في
المصحة، وهو بياخد باله من ياسين، لكن الحقيقة إنه كان بيشغلني خادمة لمراته، وبليل يرميني ورا البيت عشان الضيوف ميشوفونيش."
الدموية في عيني وصلت لأقصاها. سحبت موبايلي وطلبت المحامي بتاعي وصديق عمري في الشرطة. في أقل من نص ساعة، كانت الحكومة محاوطة القصر. رأفت كان بيحاول يهرب من الباب الوراني، بس الحرس بتوع الكومباوند اللي كان بيذلهم بفلوسي، هما اللي مسكوه وسلموه.
اكتشفت الكارثة الأكبر.. رأفت مكنش بس بيسرق فلوسي، ده كان كاتب القصر باسمه واسم مراته بتزوير توكيل عام كنت عاملهوله "للطوارئ" قبل ما أسافر. المحامي قالي: "يا إبراهيم، الموضوع كبير، دي خيانة أمانة وتزوير وحجز حرية."
قعدت في نص الصالة، والناس اللي كانت جاية تجامل "رأفت الباشا" بدأوا يهربوا زي الفيران. بصيت لأخويا وهو متكلبش، وقلتله: "أنا كنت بشتغل في نص المحيط، وسط الموت كل يوم، عشان أعملك بني
آدم.. أنت مش بس سرقت فلوسي، أنت سرقت تلات سنين من عمر ابني وهو بيجوع.. القصر ده أنا ههده طوبة طوبة، وهبني مكانه دار أيتام، عشان مفيش طفل يحس باللي ياسين حسه وأنا عايش."
طلعت هناء وياسين من القصر، ومبصتش ورايا. حجزت ليهم في أغلى فندق في القاهرة، وجبت أكبر دكاترة يطمنوا عليهم. رأفت ومراته لبسوا قضية تزوير وسجن 15 سنة، وكل مليم خدوه رجعته بالقانون وبالذل.
بعد شهر، كنت قاعد مع هناء وياسين على النيل، ياسين لابس لبس جديد وبيضحك وهو ماسك إيدي، وهناء بدأت ملامحها تنور تاني. بصيت للسما وشكرت ربنا إني رجعت بدري.. السفر علمني إزاي أجمع فلوس، بس الموقف ده علمني إن "الدم" مش ديماً بيحن، وإن القصر اللي يتبني على جوع أهل بيتك، هو في الحقيقة "قبر" مش أكتر. قفلت صفحة رأفت للأبد، وبدأت أبني بيت جديد، بس المرة دي، السور بتاعه كان حبي وحمايتي ليهم، مش توكيلات ولا وعود
كدابة.
 

تم نسخ الرابط