حفيدي
الدكتور قرب مني خطوة واحدة، وصوته كان واطي جداً لدرجة إني كنت سامعة دقات قلبي وهي بتخبط في صدري زي الطبلة. سحب الورقة الصغيرة اللي كانت مستخبية في سرفلة الخياطة بتاعة السلوبيت بملقاط طبي، وفردها قدامي. كانت ورقة مقطوعة من نوتة صغيرة، ومكتوب فيها بخط إيد مهزوز وكأن اللي كاتبه كان بيبكي: **"أنقذيه يا ماما.. أنا مش قادرة أحميه منه، الدور الجاي عليا."**
الدنيا لفت بيا. الكلام كان بخط "هنا"، مرات ابني. الورقة ماكانتش مجرد ملاحظة، دي كانت صرخة استغاثة أخيرة بعتتها لي وهي عارفة إن "أحمد" مراقب كل حركاتها. في اللحظة دي، سمعت صوت "سرينة" بوليس بعيد، والدكتور بص للممرضة وأداها إشارة بعينيه، وفجأة لقيت اتنين من أمن المستشفى واقفين قدام باب الأوضة، ومنعوا أي حد يدخل أو يخرج. الدكتور بصلّي بحزم وقالي: "يا مدام، العلامات اللي على بطن الحفيد دي مش مجرد شيلة غشيمة، دي ضغطة إيد كاملة بكل قوة لإسكاته، والورقة دي بتغير مجرى الموضوع تماماً.. إحنا بلّغنا الشرطة، وحالاً المباحث هتوصل."
أنا كنت قاعدة على الكرسي مش حاسة بجسمي. "أحمد"؟ ابني اللي ربيته على الحنية؟ إزاي يتحول لوحش كدة؟ افتكرت نظراته الصبح
جسمي كله اترعش. الدكتور شاورلي بصباعه على شفايفه "هسسسس"، وقالي: "افتحي الخط، وحاولي تباني طبيعية جداً، افتحي السبيكر". فتحت الخط وإيدي بتترعش، وصوت "أحمد" جالي من الناحية التانية، بس ماكنش صوته الطبيعي، كان فيه نبرة حدة غريبة: "ماما؟ ياسين عامل إيه؟ لسه بيعيط؟ أوعي تكوني غيرتي له الهدوم زي ما قلتلك؟"
بلعت ريقي بصعوبة وقلتله بصوت مهزوز حاولت أداريه: "لا يا حبيبي، نايم.. نايم خالص مابينطقش". رد عليا بسرعة وسخرية: "كويس.. إحنا قدامنا نص ساعة ونكون عندك، جهزي لنا غدا تقيل عشان تعبانين". وقفل السكة في وشي. الدكتور بصلي وقالي: "نص ساعة؟ يبقى لازم نتحرك فوراً."
البوليس وصل المستشفى، وبدأوا ياخدوا أقوالي. حكيت لهم كل حاجة، عن الـ 186 جنيه (أو الأرقام اللي قالتها) ومصاريف الشهر اللي مش طبيعية.. الظابط لما سمع الأرقام دي سألني: "إنتي متأكدة من الأرقام
وفعلاً، بدأت الحقيقة تتكشف زي الخيوط الدايبة. "أحمد" ابني كان واقع في ديون كبيرة بسبب مراهنات ومشاكل مخفية، وكان فارض على "هنا" حصار كامل، وكان بيستخدم البيبي كوسيلة ضغط عليها عشان تجيب فلوس من أهلها. العلامات اللي على بطن ياسين كانت نتيجة "أحمد" وهو بيحاول يكتم صرخة الولد بقسوة عشان "هنا" ماتسمعش وهي بتعيط في الأوضة التانية.
فجأة، تليفون المستشفى ضرب. موظف الاستقبال قال بصوت مرعوب: "فيه واحد بره اسمه أحمد، ومعاه واحدة، وبيزعق وعاوز يدخل الطوارئ فوراً، بيقول إن ابنه هنا!".. قلبي وقع في رجلي. هما وصلوا المستشفى! عرفوا إزاي؟ الظابط قالي: "ماتتحركيش من هنا."
الظباط استخبوا ورا الستائر، ودخل "أحمد" الأوضة وهو بينهج، وراه "هنا" اللي كانت وشها أزرق وضارب بالبياض. "أحمد" أول ما شافني صرخ: "جبتيه هنا ليه يا ماما؟ أنا مش قلتلك ماتلمسيهوش؟" ولسه بيمد إيده عشان ياخد الكرسي بتاع الولد، الظباط طلعوا من ورا الستارة والكلبشات كانت أسرع من حركته.
"هنا" وقعت على الأرض بتصرخ وتعيط، والظابط
"هنا" اعترفت وهي بتشهق إنها كانت مخططة تهرب النهاردة بالليل وهي رايحة الهايبر، بس "أحمد" شك فيها وضيق عليها الخناق، فمالقتش قدامها غير إنها تسيب البيبي معايا وتحط الرسالة دي وهي بتغير له الصبح، وهي عارفة إني عمري ما هسمع كلامه وهفتش ورا صراخ الولد.
النهاردة، وبعد سنة كاملة من اليوم ده.. "أحمد" بيقضي عقوبته في السجن بتهمة التعذيب والشروع في القتل والابتزاز. "ياسين" دلوقتي بيمشي، وبيلعب في جنينة بيتي، وعلامات الصوابع اللي كانت على بطنه اختفت تماماً، بس العلامة اللي في قلبي أنا عمرها ما هتختفي. "هنا" بدأت تتعالج نفسياً وعايشة معايا، وبقينا إحنا الاتنين بنحمي الكائن الصغير ده من غدر أقرب الناس ليه. لما بفتكر اليوم ده، بحمد ربنا إني مسمعتش كلام ابني، وبصيت تحت الهدوم، لأن لولا السوستة اللي اتفتحت في الوقت الصح، كان زماني النهاردة بزور حفيدي في مكان تاني خالص غير الجنينة.