قالو لها ابنها مات
القصة دي بتبين قد إيه الأمومة غريزة مابتتمحيش، وبتحكي عن ست عاشت سنين مقتنعة إنها خسرت أغلى ما عندها، ابنها. ورا كل النجاح اللي كانت فيه، كان فيه جرح غائر من اللحظة اللي قالولها فيها إن ابنها مات وهو بيتولد، بس النصيب كان شايل لها مفاجأة تانية خالص.
فريدة المنشاوي كانت ست ناجحة وقوية، رئيسة مجلس إدارة شركة كبيرة، ومثال للست اللي مابتهزرش في شغلها. حياتها كلها كانت اجتماعات وفخامة ومنظرة، بس ورا الصورة المثالية دي كان فيه فراغ مابيملاهوش حد.
من سنين، وهي متجوزة "عمر"، الراجل اللي كان طموحه ملوش آخر، ولدت بدري وتعبت جداً، وجالها نزيف خلاها تفقد الوعي. ولما فاقت، سمعت الكلمتين اللي هدوا حياتها: "ابننا م عاش". ماشافتش جثته، ولا ودعته، كل اللي فضل لها منه بطانية صغيرة وذكرى ثواني وهي حضناه.
من يومها حياتها اتغيرت؛ مبقتش بتنام، بتهرب
بعد سنين طويلة، وهي ماشية في الشوارع، حصلت اللحظة اللي قلبت كيانها. في ساحة صغيرة، وسط الرسامين اللي في الشارع، شافت ولد بيرسم الناس اللي ماشية. كان لبسه بسيط جداً وهادي ومركز في ورقتة. بس مش شطارته اللي وقفتها، كانت عينيه.. نفس عيون ابنها اللي ولدته.
لما قربت منه، شافت حامة بني فاتح في رقبته، في نفس المكان اللي كانت فكراه ومش هتنساه أبداً. دي مستحيل تكون صدفة.
الولد كان اسمه "ياسين"، وعايش عيشة بسيطة من غير أهل، وماسك في ذكرى جدته اللي ربته. ومن كلامها معاه، عرفت إن أمه ماتت وهي بتولده، وأبوه رماه، وإنه كبر في ظروف صعبة. بس الصدمة الحقيقية كانت لما عرفت اسم الجدة اللي ربته: "تريزا". وده كان اسم الممرضة اللي كانت موجودة وقت ولادتها.
فريدة مأخدتش وقت في التفكير، وعملت حركة هزت الدنيا. طلبت المحامين وكلمت الصحافة وفتحت تحقيق رسمي. وفي ساعات، كانت قدام الكاميرات بتقول للعالم كله إن ابنها ماتسرق منها وماماتش.
تحليل الـ DNA أكد اللي قلبها كان حاسه: ياسين هو ابنها. التحقيقات كشفت إن جوزها القديم "عمر" هو اللي رتب لكل ده، لأنه كان مأمن بخرافة بتقول إن الولد ده هيدمر مستقبله المهني. واتفق مع الممرضة وزوروا شهادة الوفاة ورموا الولد بعيد. وده كان سبب في إنه اتمسك واترمى في السجن واسمه اتمسح من السوق.
فريدة أخدت ياسين بيتها، بس كانت فاهمة إن الثقة مابتجيش في يوم وليلة. كانت صبورة معاه جداً؛ وفرت له أحسن تعليم وأمان، وسابت له مساحته يتأقلم. ياسين في الأول كان خايف، بيخبي الأكل من كتر ما كان بيجوع زمان، وبيترعب من أي حاجة جديدة. بس
في ليلة فيها مطر ورعد، ياسين راح لفريدة وسألها لو ينفع ينام جنبها. اللحظة دي كانت البداية الحقيقية؛ الثقة هزمت الخوف. وبعدها بفترة، سألها: "ينفع أقولك يا ماما؟".. سؤال كان فيه وجع وسنين ضياع كتير.
فريدة قررت تحول وجعها لحاجة تنفع الناس، وعملت مؤسسة هدفها تدور على الأطفال المفقودين وتساعد الأيتام. وفي حفلة كبيرة، قدمت المبادرة دي وهي ماسكة إيد ابنها. وياسين اللي كان بيرسم في الشارع عشان يعيش، بقى فنه طريقة بيعبر بيها عن نفسه للعالم كله.
القصة دي رسالة إن الحق مابيموتش، وإن غريزة الأم مابتكدبش، وإن العدل بيجي مهما طال الزمن. الحب قادر يشفي أعمق الجروح، ودي مش قصة ضياع، دي قصة رجوع، قصة بتقول إن النور دايماً بيعرف طريقه مهما كانت العتمة. الروابط الحقيقية مابتنقطعش، هي بس بتستنى اللحظة اللي نكتشفها فيها