عندما يسبق الشك اليقين
وصلتني رسالة سلمى بعد التاسعة صباحاً بقليل، في الوقت الذي كنت أفتح فيه حاسوبي في قاعة الاجتماعات. قالت إنها منهكة، رأسها يكاد ينفجر، وهي تعاني من الحمى، وتريد البقاء في السرير طوال اليوم. سألتها إن كان يجب أن أعود للمنزل وآخذها للطبيب، لكنها طمأنتني وقالت إنها تحتاج للنوم فقط. صدقتها؛ فـ سلمى ليست من النوع الذي يبالغ في المرض. كانت دائماً تواجه الألم بابتسامة وتصر على أنها بخير، وهذا من أكثر الأشياء التي أحببتها فيها: رصانتها وهدوؤها الذي يمنح السكينة لكل من حولها.
نحن متزوجون منذ ما يزيد قليلاً عن ثلاث سنوات، ولم تمنحني يوماً سبباً واحداً للشك في صدقها أو وفائها. لم نكن من الأزواج الذين يعيشون حياتهم بالصراخ أو الاستعراض أمام الناس؛ كنا "عاديين" بأجمل معاني الكلمة: ندفع الإيجار، نتقاسم المهام، نختلف على صغائر الأمور ثم نتصالح بسرعة. شقتنا في القاهرة كانت صغيرة، لكنها كانت مملكتنا الخاصة.
كان أخي الأصغر كريم يسكن في الشقة المجاورة لنا في نفس البناء، وكان وجوده قريباً منا يمنحني شعوراً بالأمان. كان يزورنا كثيراً، يعامل سلمى كأخته الكبرى، ويستعير أغراضنا دون أن يعيدها كما يفعل الإخوة دائماً.
لحظة الانكسار
رغم قلقي، لم أستطع العودة للمنزل صباحاً بسبب اجتماع مصيري مع
في استراحة الغداء، اشتريت بعض المقادير لإعداد وجبة خفيفة تحبها عندما تمرض، وهرعت للمنزل. عندما وصلت إلى باب الشقة، وجدته موارباً! تجمد قلبي. سلمى مهووسة بإغلاق الأبواب، ولا يمكن أن تتركه هكذا وهي نائمة.
دخلت وناديت باسمها.. لا رد.
الشقة صامتة بشكل مريب، لكنني سمعت صوت مياه جارية من الحمام.. ثم سمعت ضحكة رجل!
كانت ضحكة قصيرة، لكنها وقعت عليّ كالصاعقة. في ثانية واحدة، قفز عقلي إلى الظلام. لم أفكر في الحمى أو التعب، فكرت فقط في الخيانة. تذكرت والدي الذي خان أمي مراراً، وكيف جعل الشك من بيتنا مكاناً مخيفاً. أقسمت يوماً ألا أكون ذلك الرجل، لكن في تلك اللحظة، أصبحت هو تماماً.
ألقيت بالأكياس، ودفعت باب الحمام بقوة لدرجة أنه ارتطم بالحائط.
رأيت سلمى ملتصقة بجدار الحمام، غارقة بالماء من رأسها حتى قدميها، ووجهها شاحب ومحتقن في آن واحد. وأمامها وقف كريم، وهو أيضاً مبلل، يمسك بكتفها. كان الماء يتناثر من "الدش" بزاوية غريبة عليهما معاً.
صرخت فيهما بغضب واتهام: "ما الذي يحدث هنا؟! ماذا
الحقيقة المرة
سكتت سلمى وكأن صدمة وصولي كانت أقوى من الحمى. ثم بدأت عيني تلاحظ التفاصيل التي أعماها الغضب: شريط دواء نصف مفتوح على الحوض، كوب معدني مقلوب على الأرض، وهاتفها ملقى قرب المصرف وشاشته تضيء بمكالمة صادرة. كان هناك كرسي صغير منقلب، وأحد أساورها مكسور على الأرض. لم يكن المشهد "مرتباً" لسر، بل كان فوضوياً ككارثة وقعت للتو.
صاح بي كريم بحدة: "ياسين! سلمى كانت ستسقط وتفقد وعيها!"
أخبرني أنها اتصلت به لأن شقته أقرب ولأنها لم ترد إزعاجي في اجتماعي. وعندما لم تعد ترد عليه عبر الهاتف، جاء مسرعاً ووجد الباب موارباً فدخل ليجدها قد انزلقت في الحمام وهي تحاول الاستحمام لخفض حرارتها.
أما الضحكة؟ لم تكن ضحكة استمتاع، بل كانت دعابة خرقاء من أخي ليجعلها تتماسك ولا تفقد وعيها. قال لها: "سلمى، إياكِ أن يغشى عليكِ الآن، فأنا أنحف من أن أحملكِ وأفسر لأخي كيف غرقتِ في الحمام!" ضحك ليخفف من رعب الموقف، وفي تلك اللحظة بالذات، فتحتُ أنا الباب.
الندم والغفران
اندفعتُ نحوها وأمسكتُ بها مع كريم قبل أن يرتطم رأسها بالصنبور. كانت تحترق من الحمى. نقلناها إلى العيادة فوراً؛ كان ضغطها منخفضاً جداً ومصابة بجفاف حاد. جلسنا أنا وأخي في الخارج بملابسنا
عندما استقرت حالتها، طلبت رؤيتي. ذهبتُ وأنا أتوقع الغضب، وكانت محقة. قالت لي جملة حطمتني: "المشكلة ليست في أنك سألت، بل في أنك نظرت إليّ بيقين.. وكأنك أصدرت حكمك عليّ قبل أن تسمع مني كلمة واحدة."
اعتذرتُ لها ولأخي. لم يكن اعتذاراً سهلاً، فالألم قد يفسر رد الفعل لكنه لا يبرره. أخي كان غاضباً ليس لأنني صرخت، بل لأنني رأيته يساعد زوجة أخي، ومع ذلك اخترتُ أقذر تفسير ممكن.
مرت شهور على تلك الحادثة. تعلمتُ فيها أن الثقة تُبنى في الحاضر ولا تُورث من أوجاع الماضي. الآن، عندما أعود للمنزل وأجد الباب غير مغلق، لا أدع الخوف يكتب الجملة الأولى. أنادي.. أنتظر.. أنظر.. وأتذكر.
في الأسبوع الماضي، كنت في المطبخ أعد الطعام، وطرق كريم الباب المفتوح، ثم طرق مرة أخرى بشكل درامي ونادى بصوت عالٍ معلناً عن دخوله كأنه ضيف في قصر. ضحكت سلمى حتى دمعت عيناها، وضحكتُ معها. أغلقت الباب خلفه بإحكام، وجلسنا نحن الثلاثة حول مائدة واحدة، ممتنين لأننا لم نخسر بعضنا بسبب لحظة شك عمياء.
لقد علمتني تلك الحادثة درساً قاسياً: الشك