سر السنوات الست

لمحة نيوز

 "من يجرؤ على ترك هذه الصغيرة وسط هذا العصف، فعليه أن يواجهني أولاً!". كنت أحملها بين ذراعيّ وهي ترتجف كعصفور بلله المطر، مخرجاً إياها من تحت حطام خيمة الرسم على الوجوه التي تهاوت فوقها. لم أكن أعلم حينها أن كلماتها الخافتة: "أمي كانت تحكي لي عنك"، ستكون الزلزال الذي يقتلع جذور سرٍ دام ست سنوات، سر لم أكن أدرك أبعاده.
### الفصل الأول: صنم الطموح
اسمي **ياسين الجمال**. في الواحدة والأربعين من عمري، مؤسس واحدة من أكبر شركات البرمجيات اللوجستية، وأب لطفل هادئ في الثالثة يدعى **عمر**. يظن الناس أنني ملكت الدنيا لأن اسمي يتصدر المجلات الاقتصادية ومكتبي يعانق السحاب، لكنهم لا يبصرون الفراش الصغير الذي أضعه بجانب سرير ابني لأنام عليه في الليالي التي يستيقظ فيها فزعاً يسأل عن أمه التي هجرتنا.
قبل ست سنوات، اقترفت أكبر خطيئة في حياتي؛ طلقت زوجتي **هناء**. كنا شابين في مقتبل العمر، هي تريد السكينة وفصلاً دراسياً تعلم فيه الأطفال وبيتًا يملؤه الدفء، وأنا كنت أطارد الأرقام والمستثمرين. في لحظة كبرياء غبية، وأنا أوقع أوراق الطلاق، قلت لنفسي إنني أتحرر من "قيود" تعيق نجاحي. سافرتُ،

وانقطعت أخبارها، وظننت أنني طويت الصفحة. لم أكن أعلم أنها في تلك الليلة، كانت تحمل في أحشائها قطعة مني رحلتُ عنها دون أن أعلم بوجودها.
تزوجت بعدها من **ليلى**، محامية بارزة، كان زواجاً يشبه صفقات الاستحواذ. أنجبنا **عمر**، ثم غادرت بعد عام ونصف، قائلة جملة لم تفارق مسمعي: "أنت توفر لنا القصور، لكنك لا توفر لنا وجودك".
### الفصل الثاني: لقاء خلف حجب البرد
في ذلك اليوم الذي غيّر مجرى حياتي، كنت في مهرجان الربيع بالمدينة برفقة **عمر**. فجأة، اسودت السماء وهطل البرد كحجارة مرجومة. تشتت الناس، واقتلعت الرياح الخيام. سلمتُ **عمر** لأحد رجال الأمن وهرعتُ نحو طفلة صغيرة رأيتها محاصرة تحت عمود معدني.
كانت في الخامسة تقريباً. عندما رفعت عينيها الزرقاوين نحوي، شعرت بصدمة كهربائية؛ إنها عيون **هناء**.
قلت لها بحنان: "لا تخافي يا صغيرتي، أنا عمو ياسين".
نظرت إليّ بذهول طفولي وهمست: "أمي كانت تحكي لي عنك.. قالت إنك كنت شجاعاً".
عندما أخرجتها، لمحتُ اسماً مطرزاً على بطانة سترتها: **لينا الجمال**. لقد أبقت على اسمي! لم تنكر نسبي رغم أنني أنكرت وجودها دون قصد. وفي تلك اللحظة، ظهرت **هناء**
من بين الزحام، غارقة في المطر، تصرخ باسم ابنتها. تسمرت مكانها عندما رأتني. لم يتغير فيها شيء سوى مسحة الحزن التي كست ملامحها.
قالت بنبرة ممزوجة بالوجع والامتنان: "ماذا تفعل هنا يا ياسين؟ بعد كل هذه السنين؟".
لم أجب، كنت أنظر إلى ابنتي التي لم أكن أعرف عنها شيئاً، وإلى طليقتي التي تركتها وحيدة لتواجه أصعب معارك الحياة.
### الفصل الثالث: بناء ما تهدم
في المشفى، وبينما كانت **لينا** تخضع لتقطيب جرح في جبينها، واجهتُ **هناء**.
قالت لي بمرارة: "حاولتُ الاتصال بك بعد شهور من الطلاق عندما علمت بحملي، لكن مدير مكتبك قال إنك 'مشغول جداً' ولا تقبل مكالمات شخصية. ثم رأيت خبر زواجك الثاني.. فقررتُ أن أربي ابنتي بعيداً عن رجل اختار النجاح على حساب عائلته".
كانت كلماتها كالسياط. في تلك الليلة، ضاعت مني صفقة اندماج كبرى لأنني رفضت الرد على هاتفي وبقيت بجانب **لينا** و**عمر**. ولأول مرة في حياتي، لم أشعر بالندم على ضياع المال.
بدأتُ رحلة العودة. لم يكن الأمر سهلاً في أعرافنا؛ فالثقة التي تُهدم لا تُبنى في ليلة. استقلت من منصب المدير التنفيذي، واكتفيت بدور استشاري لأتفرغ لعائلتي. استأجرت
منزلاً قريباً منهما، وبدأت أتعرف على **لينا**. كنت أوصلها للمدرسة، وألعب معها ومع **عمر** الذي وجد في **لينا** أختاً لم يحلم بها.
### الفصل الرابع: ميثاق غليظ جديد
بعد عام من المحاولات، وبعد أن رأت **هناء** أن "ياسين" الطموح قد مات، وأن "ياسين" الأب والزوج قد وُلد من جديد، قررنا لم الشمل. لم يكن زواجاً جديداً بقدر ما كان "إصلاحاً" لميثاق غليظ انفرط عقده ذات يوم.
في يوم عقد قراننا الثاني، كانت **لينا** ترتدي فستاناً أبيض صغيراً، وتكاد تطير من الفرح وهي ترى والدها يعود لبيتهما. أهديتها دراجة عليها اسمها الكامل، ونظرتُ إلى **هناء** قائلاً: "سامحيني لأنني تأخرت ست سنوات عن موعدي".
ابتسمت وقالت: "المهم أنك وصلت قبل أن تنتهي العاصفة".
إنقاذ **لينا** من البرد لم يجعل مني بطلاً، بل جعل مني "إنساناً". تعلمتُ أن النجاح الحقيقي ليس في عدد الأصفار في حسابك البنكي، بل في عدد المرات التي تكون فيها متاحاً لمن يحتاجك. والآن، عندما يسألني **عمر** و**لينا** عن سر سعادتنا، أشير إلى السماء وأقول: "أحياناً يرسل الله لنا العواصف، ليس ليدمرنا، بل ليدلنا على الطريق الصحيح نحو بيوتنا".
**النهاية**
 

تم نسخ الرابط