غدر في مطعم الإسكندرية.. ودرس العمر في ليلة واحدة
كان واضحاً منذ البداية أن علاقتي بإخوتي من زوجة أبي لم تكن قريبة أبداً؛ كنا نتعامل بحدود الأدب فقط، دون أي دفء حقيقي يجمعنا. لكن الشخص الوحيد الذي كان يمسك بزمام البيت ويحافظ على خيط رفيع من الترابط هي "تيتة".
جدتي، تلك السيدة الـثمانينية التي تفيض طيبة، كانت بمثابة الأم للجميع. تتذكر كل المناسبات، وتتصل دائماً لتطمئن بكلماتها الحنونة: "أكلتوا؟ عاملين إيه؟".
الفخ.. والهروب المخزي
قبل الحادثة بيومين، اقترحت أختي غير الشقيقة "مها" فكرة غريبة: "سنخرج بتيتة إلى مطعم فاخر على البحر في الإسكندرية، عشاء مميز يليق بها". ابتسامتها كانت توحي باللطف، لكن قلبي لم يطمئن. لم يسبق لهم أن فعلوا شيئاً كهذا من أجلها.
بسبب ضغط عملي، لم أتمكن من الذهاب، وحين اقترحت التأجيل، رفض "كريم" (أخي غير الشقيق) بحجة أن كل شيء جاهز وهم
ومرّ الوقت.. حتى رنّ هاتفي. كانت "تيتة".
بمجرد سماع صوتها المنكسر وهي تبكي، عرفت أن كارثة قد وقعت. قالت بصعوبة:
"يا حبيبي.. مش عارفة أعمل إيه.. همّ مشيوا.. قالوا رايحين يجيبوا العربية ومارجعوش تاني، والفاتورة جات بـ 412 دولار (5000 جنيه تقريباً) وأنا معيش أي مبلغ."
تسمرت في مكاني من الصدمة، ثم انطلقت بسيارتي كالمجنون نحو الإسكندرية. حين وصلت، رأيتها.. سيدة صغيرة مكسورة، تجلس وحيدة وسط نظرات العاملين، تحتضن حقيبتها بخجل وكأنها هي المذنبة. في تلك اللحظة، قررت أن هذا الغدر لن يمر مرور الكرام.
خطة "الجائزة الوهمية"
دفعت الفاتورة فوراً، وقبل أن نغادر، طلبت من مدير المطعم نسخة من تسجيلات الكاميرات التي توثق لحظة هروب كريم ومها وتركهم للجدة وحيدة. أخذت جدتي للمنزل، وحين نامت من التعب، بدأت
أرسلت رسالة على "جروب العائلة" الذي يضم الجميع:
"يا جماعة أنا وتيتة في المستشفى الآن.. تيتة أصيبت بأزمة قلبية حادة فور علمها بفوزها بالجائزة الكبرى من سحب (فودافون كاش) بقيمة 2 مليون جنيه! هي الآن في حالة صعبة وتريد توزيع المبلغ قبل أن يحدث لها مكروه!"
الطمع يقلب السحر على الساحر
في أقل من 30 دقيقة، كان كريم ومها أمام باب المستشفى يمثلون البكاء والحزن: "تيتة حبيبتنا! سيبناها بس عشان نجيب لها مفاجأة!".
قابلتهم ببرود أمام غرفة (أوهمتهم أنها العناية المركزة) وقلت لهما:
"تيتة لا تريد رؤية أحد غيركما، لكنها اشترطت شرطاً واحداً قبل توزيع الـ 2 مليون جنيه.. يجب سداد ديون قديمة للمستشفى وللمحامي بقيمة 150 ألف جنيه، لأن الجائزة لن تُصرف إلا إذا كان سجلها المالي نظيفاً."
من فرط طمعهم، لم يترددوا!
المواجهة والدرس الأخير
بعد استلام المال، جمعت العائلة كلها في صالة المستشفى، وأوهمتهم أنني سأعرض فيديو استلام الجائزة على شاشة كبيرة. لكن الصدمة كانت حين عرضت تسجيل كاميرات المطعم.. وهم يتسللون هاربين تاركين السيدة العجوز تبكي خلفهم.
وفي تلك اللحظة، خرجت "تيتة" من الغرفة بكامل أناقتها وصحتها، ونظرت إليهم بقوة وقالت:
"الـ 150 ألف جنيه التي دفعتموها هي حق تربيتي التي ضاعت في الأرض، وحق كرامتي التي أهدرتموها في المطعم.. لا توجد جائزة، ولا توجد أرض، وليس لي أبناء مثلكم من اليوم."
تم طردهم أمام الجميع، وتبرع "سامر" بالمبلغ لدار مسنين باسم جدته. أما كريم ومها، فقد خسروا كل ما يملكون، وأصبحوا منبوذين