لغة الصمت التي غيّرت كل شيء

لمحة نيوز

كانت إيلينا على وشك المغادرة وهي تمسك دفتر الطلبات في يدها عندما لاحظت شيئًا غريبًا في تعبير وجه السيدة كارمن؛ سكونًا خاصًا في ملامحها بدا مألوفًا للغاية.
لم تكن المرأة المسنّة تتفاعل مع رنين الكؤوس أو مع الهمسات الأنيقة التي تملأ المطعم. كان الأمر كما لو أن ضجيج العالم كله لا يصل إليها.

ثم رأت إيلينا جهاز السمع الصغير خلف أذن كارمن، وكان مطفأً.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا جعل قلبها يتوقف لثانية.

لم تكن السيدة تتجاهل الحديث،
بل إنها ببساطة لم تكن تستطيع سماعه.

شعرت إيلينا بغصّة في حلقها، لأن ذلك المشهد ذكّرها فورًا بشقيقتها صوفيا.

كان خوليان فالديس يحتسي رشفة من الويسكي وهو يتفقد هاتفه، وكأنه اعتاد أن تبقى والدته صامتة خلال العشاءات العامة.
أما السيدة هيريرا فكانت تراقب من بعيد بعينين صارمتين.

لكن إيلينا لم تستطع المغادرة.
بإشارة لطيفة، طرقت الطاولة برفق لتلفت انتباه كارمن، ثم رفعت يدها وقالت بلغة الإشارة:
مساء الخير.

اتسعت عينا كارمن

بدهشة.
أعادت إيلينا الحركة ببطء:
مساء الخير، اسمي إيلينا، وسأكون النادلة التي ستخدمكم هذا المساء.

خلال ثوانٍ تغيّر وجه كارمن بالكامل، واختفت الوحدة من ملامحها.
ردّت بلغة الإشارة:
هل تتقنين لغة الإشارة؟

ابتسمت إيلينا:
نعم، أختي صمّاء.

رفع خوليان رأسه متعجبًا:
ما الذي يحدث؟

قالت إيلينا:
سيدي، أليست والدتك صمّاء؟

أومأ:
نعم.

بدأت إيلينا تترجم الحديث بينهما، ولأول مرة ترد كارمن فورًا.
ابتسم خوليان بدهشة:
شكرًا لك.

عندما عادت إيلينا بالمشروبات، كانت الأجواء قد تغيّرت.
كانت كارمن تتحدث معها بلغة الإشارة وتسألها عن حياتها.

قالت كارمن:
لا بد أن أختك مميزة جدًا.

أجابت إيلينا:
إنها فنانة.

كان خوليان يراقب بصمت، مدركًا أن هذه الليلة مختلفة.
كانت والدته سعيدة.

اقتربت السيدة هيريرا:
هل كل شيء على ما يرام؟

قال خوليان:
نعم، ممتاز.

لكنها طلبت من إيلينا الانتباه لبقية الطاولات،
فقاطعتها كارمن بالإشارة:
أريدها أن تخدمنا.

ترجمت إيلينا، فقال

خوليان بحزم:
نفضّل أن تستمر إيلينا معنا.

استمر العشاء في أجواء دافئة، ولأول مرة بدت كارمن مستمتعة حقًا.

عند نهاية الوجبة، سأل خوليان:
منذ متى تعملين هنا؟

ثلاث سنوات.

هل تحبين عملك؟

قالت:
أحب مساعدة أختي.

سأل:
هل أختك صمّاء؟

نعم، عمرها ستة عشر عامًا.

بدأت كارمن بالإشارة، فترجمت إيلينا:
تقول إنني ذكّرتها بنفسها عندما كانت صغيرة.

ثم قالت كارمن:
لم يأخذ أحد وقتًا ليتحدث معي بهذه الطريقة.

نظر خوليان إلى إيلينا وقال فجأة:
هل تودين العمل مع عائلتي؟

تفاجأت:
سيدي؟

قال:
أمي تحتاج شخصًا يتواصل معها يوميًا.
الراتب عشرة أضعاف، وسأغطي تعليم أختك.

امتلأت عينا إيلينا بالدموع.

أمسكت كارمن يدها وقالت بالإشارة:
الأشخاص الذين يعرفون كيف يصغون بقلوبهم يستحقون حياة أفضل.

ساد صمت عميق في المطعم.

قال خوليان:
لا أريد الضغط عليك، لكن ما فعلته يعني الكثير.

قالت إيلينا:
فعلت فقط ما يعرفه أي شخص يجيد لغة الإشارة.

رد:
معظم الناس لا يفعلون ذلك.

ثم

أضاف:
أريد أيضًا إنشاء برنامج لتعليم لغة الإشارة في فنادقي.

سألت بدهشة:
في جميعها؟

قال:
نعم.

ترجمت إيلينا كلام كارمن:
كثير من الصم سيشعرون بالترحيب أخيرًا.

نظر خوليان إليها:
وأنتِ يمكن أن تساعدينا في ذلك.

اقتربت السيدة هيريرا مرة أخرى، لكن القلق كان واضحًا عليها.

قال خوليان:
تعالي إلى مكتبي غدًا الساعة العاشرة.

أمسكت كارمن يد إيلينا وقالت بالإشارة:
لقد غيّرت ليلتي.

فتح خوليان الحساب وترك بقشيشًا ضخمًا.
قال:
اعتبريه شكرًا.

سألته:
على ماذا؟

قال:
الأناقة الحقيقية ليست في الأماكن الفاخرة،
بل في طريقة معاملة الآخرين.

غادرا المطعم، لكن أثر الليلة بقي.

اقتربت السيدة هيريرا ببرود:
لا تعتادي على هذا الاهتمام.

لم ترد إيلينا.

عندما عادت إلى منزلها، وجدت صوفيا ترسم.
سألتها بالإشارة:
كيف كان يومك؟

ابتسمت إيلينا:
ربما كان أهم يوم في حياتي.

سألتها:
هل ستقبلين؟

قالت:
لا أعلم بعد…
لكن لأول مرة أشعر أن العالم بدأ يسمعنا.

وفي مكان آخر،

قالت كارمن لابنها بالإشارة:
تلك الفتاة ستغيّر أشياء كثيرة.

ابتسم خوليان:
أظن ذلك.

لأنه أدرك أن أعظم التغييرات تبدأ بلحظة إنسانية صغيرة…
بين شخص يعرف كيف يتكلم،
وآخر يعرف كيف يصغي.

تم نسخ الرابط