هوية مستعارة

لمحة نيوز

قعدت على الأرض والورقة في إيدي، وصوت تزييق مروحة السقف كان مسموع في سكوت البيت القاتل. "عنوان بيت أهلي؟" الكلمة دي كانت بتلف في دماغي زي السكينة. فجأة، كل السنين اللي فاتت بدأت تتجمع قدام عيني زي قطع "بازل" مشوهة. ديريك اللي كان دايمًا معاه فلوس مبيعرفش يداريها، والبيت اللي اتجدد، والعربية الجديدة اللي ركبها أبويا السنة اللي فاتت وهو أصلًا معاشه ميفتحش بيت.
قمت دخلت الحمام وبصيت في المراية. وشي كان شاحب، وتحت عيني سواد السنين، وفي جنبي وجع بيفكرني كل ما أتنفس إن دمي ملوش قيمة عندهم. بس الورقة دي كانت بتقول حاجة تانية.. كانت بتقول إنهم مش بس بيحتقروني، دول بيستغلوا اسمي عشان يمولوا حياتهم القذرة.
الصبح طلع، ومنمتش دقيقة. استنيت لما نوح صحي، فطّرته وهو لسه حاضن عربية المطافي، وسيبته عند جارتي الطيبة "مدام ليلى". ركبت عربيتي الهوندا اللي ميكانيكيتها كانت بتصارع الموت، ورحت للبنك اللي باعت الإنذار.
"أنا عايزة أشوف أصل عقد القرض ده،" قلتها للموظفة بنبرة صوت مكنتش أعرف إني أملكها.
الموظفة بصت لي بشفقة وطلعت الملف. وبمجرد ما شفت الإمضاء، الدنيا اسودت في عيني. مكنتش إمضائي، بس كانت تقليد محترف لخط إيدي.. ومين اللي عارف خط إيدي وشاف ورقي كله غير أمي؟ والأنقح من كده، الضامن كان "بوليصة تأمين" باسم نوح.
بوليصة تأمين؟ أنا معملتش لبني تأمين.
طلبت من الموظفة

تفاصيل أكتر، ولما شفت رقم بوليصة التأمين وتاريخها، عرفت الصدمة الكبيرة. البوليصة دي معمولة من يوم ما نوح اتولد، وبمبلغ ضخم جدًا، والمستفيد منها في حالة "الوفاة" مش أنا.. المستفيد هو "فرانك"، أبويا.
هنا، الوجع اللي في ضلوعي مبقاش وجع ضربة، بقى وجع رعب. هما ليه يضمنوا قرض بوليصة تأمين لموت طفل؟ وليه المستفيد هو اللي ضرب أمه إمبارح؟
طلعت من البنك والدم بيغلي في عروقي. رحت على بيت أهلي، مكنتش خايفة، الغضب لما بيمتزج بحب الأم بيتحول لقوة غاشمة. دخلت البيت من غير ما أخبط. كان ديريك قاعد بياكل، وأمي بتشرب قهوتها، وأبويا بيفك في راديو قديم.
"أهلا باللي مسمعتش الكلام،" أبويا قالها وهو بيقوم.
رميت ورق البنك في وشه. "القرض ده إيه؟ وبوليصة التأمين اللي باسم ابني دي إيه؟ أنتم كنتم بتخططوا لإيه؟"
السكوت اللي ساد في الصالة كان أرعب من أي زعيق. أمي وشها اصفر، وديريك نزل عينه في الأرض.
أبويا ضحك ضحكة باردة. "كنا بنأمن مستقبلك ومستقبلنا. الولد ده كدة كدة ملوش أصل، وأنتي فاشلة ومحيلة، قلنا نستفيد من وجوده."
"نستفيد من وجوده إزاي؟" صرخت فيه. "يعني إيه المستفيد هو أنت في حالة موته؟ أنتم كنتم ناويين تأذوه؟"
أبويا قرب مني خطوة، وعينه فيها نظرة شيطانية. "العيل ده أصلًا مش ابنك يا غبية."
الكلمة وقعت عليا كأن البيت انهار فوقي. "أنت بتقول إيه؟ أنا اللي ولدته، أنا اللي تعبت
فيه."
أمي قامت وقربت مني، وصوتها كان واطي ومخيف: "انتي ولدتي بنت يا "سارة".. والبنت ماتت بعد الولادة بدقايق. بس كان في ممرضة هناك عايزة تتخلص من عيل "غلطة"، وإحنا كنا محتاجين "سبوبة" تفضل معانا، وسيلة نضغط بيها عليكي عشان تفضلي تشتغلي وتصرفي علينا وتدفعي ديون ديريك.. فبدلنا العيلة. نوح مش ابنك، نوح ابن ناس أغنياء جدًا كانوا هيدفعوا مبالغ خيالية لو عرفوا إن ابنهم عايش، وإحنا كنا مستنيين اللحظة الصح عشان نساومهم.. أو نخلص منه وناخد التأمين لو المساومة فشلت."
حسيت إن الأرض بتلف بيا. نوح.. ابني اللي ربيته، اللي سهرت جنبه في تعبه، اللي ضحكته كانت بتهون عليا جحيم حياتي.. مش ابني؟
وفي لحظة، الغضب انفجر. مسكت فازة من على التربيزة وحدفتها في وش ديريك، وزقيت أمي بكل قوتي. "أنتم شياطين! والله ما هسيبكم."
أبويا مسكني من شعري وهبد راسي في الحيطة. "مش هتخرجي من هنا غير لما تمضي على تنازل عن القضية وتفوضينا في البوليصة، وإلا والله ما هتشوفي وش الواد ده تاني.. وأنتي عارفة أنا ممكن أعمل فيه إيه."
في اللحظة دي، سمعت صوت سرينة.. بس مش سرينة عربية مطافي اللعبة. دي كانت سرينة شرطة.
الباب اتكسر ودخلت قوات الأمن. أنا كنت سجلت المكالمة اللي دارت بيني وبين أبويا الصبح لما كلمته قبل ما أروح البنك، وكنت بلغت المباحث بكل اللي عرفته، وهما كملوا الباقي.
أبويا وأمي وديريك اتاخدوا
بالكلبشات، وهما بيصرخوا ويشتموا. أنا وقعت على ركبي، دموعي مش نازلة من الوجع، نازلة من الحيرة.
بعد شهر من التحقيقات والتحاليل الـ DNA، اكتشفوا إن كلامهم كان نصه صح ونصه غلط لزيادة تعذيبي. نوح فعلًا مكنش ابني البيولوجي، بس بنتي مماتتش.. هما اللي باعوها لعيلة تانية، ونوح كان طفل لمريضة نفسية في المستشفى خدوها منه عشان "يكملوا اللعبة".
لكن النهاية كانت أغرب من الخيال. العيلة اللي خدت بنتي كانت بتدور عليا بقالها سنين، والممرضة اللي شاركت في الجريمة اعترفت بكل حاجة قبل ما تموت.
رجعت لي بنتي، بس نوح؟ القانون كان بيقول إنه لازم يروح لدار رعاية أو لأهله الحقيقيين.
وقفت قدام القاضي، وجنبي بنتي "ليان" اللي شبهي بالظبط، ونوح كان واقف بعيد بيبكي وماسك عربية المطافي.
قلت للقاضي: "أنا ربيت نوح بدم قلبي، والدم مش هو اللي بيعمل الأم.. الحب هو اللي بيعملها. أنا عايزة بنتي، وعايزة ابني اللي اخترته."
وبعد معركة قانونية طويلة، وبسبب الجرائم اللي أهلي عملوها، القاضي حكم لي بحضانة الاتنين.
دلوقتي، وأنا قاعدة في بيتي الجديد، بعيد عن أهلي اللي بيقضوا عقوبة السجن المؤبد، وببص لنوح وليان وهما بيلعبوا بعربية المطافي الحمراء.. عرفت إن الوجع اللي في ضلوعي كان التمن اللي دفعته عشان أتحرر من سجن الأكاذيب، وإن العيلة مش هي اللي بتضرب وتسرق، العيلة هي اللي بتبني وتحمي.. حتى لو
مجمعتهمش نقطة دم واحدة.

تم نسخ الرابط