حكاية سارة وحازم
حكاية سارة وحازم: لما الطموح يعمي العين ويدبح الأصول
كانت الساعة داخلة على نص الليل، وسارة حاطة دماغها على المخدة، والهموم تقيلة فوق كتافها. مكنتش بتحلم بفيلا ولا عربية، حلمها كان بسيط قوي، وأصيل؛ حلم جوزها "حازم". خمس سنين بحالهم وهي شايلة الشيلة، بتهد حيلها عشان توفر له تمن الكتب والمراجع الغالية، وبتشتغل "وردديتين" في المصنع عشان تدفع إيجار الشقة وفواتير الكهربا والميا. مخلتش مليم في جيبها لحاجاتها، حارمة نفسها من "لبس العيد" ومن أي حاجة حلوة، بس عشان يلبس هو البالطو الأبيض ويبقى "دكتور حازم". كانت بتصبر نفسها دايماً وتقول: "معلش يا بنت حلال، بكره يتخرج ونعوض كل ده، وتعيشي الهنا اللي وعدك بيه."
أخيراً، جه اليوم اللي مستنياه. يوم التخرج. سارة قاعدة في القاعة، لابسة فستان بسيط قديم بس نضيف، وقلبها بيدق جامد، مش بس من الفرحة، لأ، ومن الفخر كمان. كانت بتصقف بحماس قوي، وإيديها وجعتها من كتر التصقيف كل ما يتقال اسم حازم، وكأنها هي اللي استلمت الشهادة،
في الليلة دي، رجعوا البيت ساكتين. سارة حطت العشا اللي عملته بدم قلبها عشان تحتفل، لكن حازم طنش الأكل خالص. قرب من طرابيزة السفرة، وحط عليها ظرف أبيض. سارة فتحته وقلبها مقبوض بحس غريب. صدمة شديدة هزت كيانها؛ الظرف مكنش فيه كلمة شكر، ولا حتى وردة صغيرة.. كان فيه "ورقة طلاق". الورقة كانت مترتبة وجاهزة، وكأنها مكتوبة من فترة، لا فيها كلمة اعتذار، ولا حتى لفتة ندم.
حازم قالها بكل برود، كأنه بيرجع كتاب استلفه من المكتبة:
"بصي يا سارة.. أنا خلاص عديت المرحلة دي، والجوازة دي مقتش مناسبة للبرستيج والحياة اللي أنا داخل عليها كدكتور."
فضلت باصة له، مستنية صوته يتهز، أو يقول إنه بيهزر.. مفيش. هدوءه القاتل ده أهاني أكتر من أي خناقة. سألته بصوت واطي، وعينها على ورقة الطلاق: "
هز كتافه ببرود وقال: "ده كان اختيارك.. محدش ضربك على إيدك."
في اللحظة دي، حاجة جوا سارة انكسرت، وماتت كل آمالها وأحلامها. ورقة الطلاق وقعت من إيدها بمنتهى الهدوء. مطلبتش منه مليم، ولا عيطت، ولا فكرته بوقفتها جنبه. لمت هدومها في شنطة واحدة، وسابت الشقة في نفس الليلة.
أول ما إجراءات الطلاق خلصت، مسحت نفسي من حياته. قفلت الفيسبوك، غيرت رقم تليفوني، وقدمت استقالتي. سافرت لمدينة تانية، مكان محدش يعرفني فيه إني "الست اللي شقيت عشان جوزها يترقى ويسيبها". كنت خلاص تعبت من دور "الضحية" وقررت أبقى بطلة قصتي أنا.
الطلاق تم رسمي يوم الثلاثاء الظهر. حازم حتى مكلّفش نفسه ييجي، بعت المحامي يخلص كل حاجة. خرجت من المحكمة وأنا حاسة بنسمة هوا نضيفة مدخلتش صدري من سنين...
عدت سنة كاملة.
"حازم" عاش الوهم اللي كان بيحلم بيه. اتجوز بنت مدير المستشفى اللي كان بيتدرب فيها، واحدة من "توبه" الجديد زي ما كان فاكر. لكن الحقيقة في
مراته الجديدة، اللي اختارها عشان "البرستيج"، مكنتش زي سارة. كانت مهتمة بس بالحفلات والمنظرة، وبتضيع فلوسه على الفاضي. بدل ما تشجعه وتدعمه عشان يطور نفسه، كانت بتنتقد شغله وتقارنه بزمايله. ديونه بدأت تزيد، وصورته "المثالية" بدأت تتهز.
وفي يوم، حازم دخل المستشفى اللي بيشتغل فيها، لقى اسم "سارة أحمد" بيتردد على لسان الكل. مش كطليقته المسكينة، لأ، كصاحبة أكبر سلسلة مراكز طبية في المدينة. سارة كانت أسست مشروعها الخاص بجهد وعزيمة، وبقت نموذج يتضرب بيه المثل في عالم المال والأعمال.
حازم، اللي سابها عشان مكنتش "تليق بمراته كدكتور"، لقى نفسه عاجز قدام نجاحها. حاول يتصل بيها، لكنها مكنتش بترد. حاول يزورها في مكتبها، لكنها كانت مشغولة قوي.
في النهاية، أدرك حازم إنه ضيع من إيده أكتر إنسانة كانت باقية عليه، وإن "البرستيج" اللي دور عليه مجابش ليه غير التعاسة والندم. أما سارة، فقد أثبتت لنفسها وللعالم، إن النجاح مش بيعتمد على اللي حواليك،