نفس الغريب

لمحة نيوز

وقفت قدام الباب والمفتاح مش راضي يلف. جربت مرة واتنين وتلاتة، إيدي كانت بتترعش بس عقلي كان في منتهى الثبات. نيرمين مغيرتش القفل بس، دي غيرت الكالون كله وركبت واحد من النوع الغالي اللي بيفتح بـ "كارت" أو بصمة. فضلت واقفة مكاني دقيقة كاملة، والهدوء اللي كان حواليا كان هو الهدوء اللي بيسبق العاصفة. مكنتش حزينة، كنت حاسة بنوع من القوة الغريبة، كأني بدأت أشوف الوش الحقيقي لكل واحد في حياتي.

نزلت ركبت عربيتي القديمة، ورحت قعدت في كافيتريا قريبة بتطل على النيل. طلبت قهوة سادة وقعدت أرتب ورقي. نيرمين وهاني فاكرين إن الست اللي عندها سبعين سنة دي خلاص كبرت وخرفت، وفاكرين إنهم لما يستولوا على الشاليه يبقى كده كسبوا المعركة. هاني ابني الوحيد، اللي صرفت عليه دم قلبي عشان يبقى مهندس قد الدنيا، طلع مش بس ناسي فضل أمه، ده طلع بايعها لمراته وأهلها.

فتحت شنطتي وطلعت منها الموبايل. كلمت محامي قديم، صاحبي وصاحب المرحوم عزت. قلت له بلهجة مفيش فيها أي تردد: "يا متر، الشاليه اللي في راس البر عايزة أبيعه النهاردة

قبل بكرة، ومش بس كده، أنا عايزة أسحب التوكيل العام اللي كنت عاملاه لهاني." المحامي سكت لحظة وقال لي: "يا ست روز، ده ابنك الوحيد، إيه اللي حصل؟" رديت عليه بكلمة واحدة: "باع البيت وهو لسه صاحبه حي، يبقى لازم يعرف يعني إيه يبقى غريب فعلاً."

رجعت الشاليه بعد ساعتين، بس المرة دي مكنتش لوحدي. كان معايا ونش كبير، واتنين عمال، وعسكري كان واقف عشان يضمن إن مفيش حد يتعرض لي. خبطت على الباب بكل قوتي. نيرمين فتحت وهي بتمسح إيديها في مريلتي، أول ما شافت المنظر وشها جاب ألوان. "إيه ده يا حماتي؟ إيه اللي جايبه معاكي ده؟" قلت لها بمنتهى البرود: "الونش ده عشان يشيل تلات عربيات مركونين في ملكية خاصة، والعمال دول عشان يخلوا الشاليه من أي عفش مش بتاعي."

نيرمين صوتها علي وبدأت تنادي على أمها وأختها: "يا ماما! الحقوا! حماتي اتجننت!" أمها طلعت تجري وهي لسه في إيديها كوباية الشاي بتاعتي. "في إيه يا ست انتي؟ إحنا ضيوف عندك وده بيت ابنك!" بصيت لها من فوق لتحت وقلت لها: "أولاً ده مش بيت ابني، ده بيتي أنا، بفلوس شقايا

في الخياطة ليل نهار. ثانياً، انتي مكنتيش ضيفة، انتي كنتي محتلة. قدامكم نص ساعة، العيال تلم هدومها، والشنط تطلع بره، وإلا الونش هيشيل العربيات باللي فيها."

في الوقت ده، هاني وصل وهو بيجري، كان وشه أصفر وشعره منكوش. "إيه اللي بتعمليه ده يا أمي؟ فضحتينا قدام الناس!" قربت منه وبصيت في عينه، شفت فيه الخذلان اللي مكنتش عايزة أشوفه طول عمري. قلت له: "الفضيحة هي إنك تسمح لمراتك تقول لأمك (مفيش مكان لضيوف زيادة) في بيتها. الفضيحة هي إنك تغير كالون بابي وأنا لسه عايشة. من اللحظة دي يا هاني، انت فعلاً ضيف، وضيف مش مرغوب فيه كمان."

نيرمين بدأت تصوت وتلم الناس، بس المحامي وصل ومعاه العقود الأصلية والشرطة اتأكدت من الملكية. بدأت الشنط تترمي بره، والعيال بتعيط، وأم نيرمين بتشتم وتدعي. وأنا؟ أنا كنت واقفة في نص الصالة، قلعت المريلة من على كتف نيرمين بمنتهى الهدوء، وطبقتها وحطيتها على الكرسي.

لما الشاليه فضي تماماً، وهما واقفين بره في الشارع وسط شنطهم وعربياتهم اللي الونش كان جاهز يسحبها، هاني حاول يقرب مني

وهو بيعيط: "يا أمي، حقك عليا، نيرمين كانت فاكرة إنك مش هتيجي.." قاطعته وقلت له: "المشكلة مش في نيرمين، المشكلة فيك انت. البيت ده متباع من ساعة، والملاك الجداد هيستلموا بكرة الصبح. الفلوس دي كلها هتروح لدار أيتام كنت بساعدهم من سنين. أما أنا، فـ "نفسي اللي بتنفسه" لسه موجود، وهروح أعيش في مكان مفيش فيه قساوة قلب."

قفلت الباب في وشهم، وقعدت على كنبتي المفضلة قدام الشباك. شفت الغروب على النيل لأول مرة وأنا حاسة بسلام حقيقي. مكنش فيه دوشة، مكنش فيه ريحة تقلية، مكنش فيه صوت مهرجانات. كان فيه بس صوت الموج وهو بيخبط في الشط، وصوت قلبي وهو بيسترد حقه. نيرمين وهاني اكتشفوا إن "الضيفة الزيادة" كانت هي صاحبة المكان، وإن اللي ملوش خير في أصله، ملوش مكان حتى في أحلامه.

الصبح طلع، وأنا لميت شنطتي الصغيرة، وسلمت المفاتيح للملاك الجداد، ومشيت وأنا مش بصه ورايا. راس البر كانت لسه هادية، والنيل كان لسه بيجري، وأنا كنت لسه "روز" اللي بدأت من الصفر ومستعدة تبدأ من جديد، بس المرة دي، من غير ما تسمح لأي حد يكسر

بابها أو يطفي نورها.

تم نسخ الرابط