سر الصندوق الخشب
## العشاء الأخير.. وسر الصندوق الخشب
تعملي إيه لو روحتي عند ابنك عشان عشا عادي… وفجأة بصلك وقالك: "أبويا ماكنش الشخص اللي إحنا فاكرينه… وكان مخبي سر ممكن يهد حياتنا كلها؟"
بدأ كل شيء بدعوة غير متوقعة في يوم ثلاثاء عادي: "ماما، تعالي اتعشي معانا يوم الجمعة.. هنقعد براحتنا، مفيش حد غريب". كان صوت ابني **مازن** هادئاً، بنفس النبرة التي اعتاد محادثتي بها منذ وفاة والده **رفعت**. نبرة فيها حذر شديد، كأني هشة وممكن أتكسر من أي كلمة.
أنا عندي 63 سنة، ومش ضعيفة، بس الناس بدأوا يعاملوني كأني زجاج خايفين عليه من الشرخ بعد صدمة موت رفعت المفاجئة بأزمة قلبية. البيت الذي ربينا فيه أولادنا أصبح واسعاً زيادة عن اللزوم وفارغاً. ضحكة رفعت، صوت خبط المعالق، تقليبه لجريدة الصبح.. كل هذا صار مجرد ذكريات بعيدة. مرت سنتان على اليوم الذي وجدته فيه واقعاً في الأرض وهو يمسك قفاز الشغل الخاص به في حديقة بيتنا.. رحل في لحظة.
عندما وصلت بيت مازن يوم الجمعة، كنت أحمل صينية بسبوسة، ولكن بمجرد دخولي شممت رائحة توتر في الجو. استقبلتني **نهى** زوجة ابني بابتسامتها المعتادة، لكن عينيها كانت باردة. دخلت الصالة، كانت هادئة بزيادة، ولا صوت لحفيدتي ليلى، فقد أخبرتني نهى أنها عند صديقتها، وأن السهرة اليوم "للكبار فقط".
عندما دخلنا غرفة السفرة، جسمي قشعر.. السفرة كانت محضرة بأطقم أنيقة جداً، لكن كان
سألت مازن وصوتي يرتجف: "يا مازن، ليه فيه أربع كراسي؟"
شحب وجه مازن، واقترب مني قائلاً بصوت واطئ: "ماما.. فيه حاجة إحنا ما قولنالكيش عليها.. بخصوص بابا".
الدنيا بدأت تدور بي.. "قصدك إيه؟". دخلت نهى بسرعة وأحضرت صندوقاً خشبياً قديماً.. صندوق رفعت الذي كان يضع فيه أدوات الصيد الخاصة به منذ سنين. قال لي مازن: "قبل ما بابا يموت بكام أسبوع، جالي واداني الصندوق ده.. وقالي خليه معاك في أمان، وما تفتحوش ولا تديه لمامتك إلا بعد سنتين من وفاتي".
فتحنا الصندوق.. كان فيه صور، وورق، ورسالة بخط يد رفعت. الرسالة كانت تقول:
> "عزيزتي بثينة.. لو بتقرئي الكلام ده، فأنا خلاص مش موجود. أنا آسف على كل كذبة، وآسف على السر اللي هتعرفيه. حبنا كان حقيقي، وحياتنا كانت حقيقية، بس ماضيّ كان ملك لشخص تاني خالص. احرقي كل اللي في الصندوق ده بعد ما تشوفي الورق.. ما تثقيش في حد، والأهم، ما تخليهمش يعرفوا إنك عرفتي.. حياتك في خطر."
>
قلبي كان يدق كالطبل.. أخرجت صورة من الصندوق لرفعت وهو شاب، يرتدي بدلة غالية جداً ويقف أمام قصر فخم، وبجانبه سيدة لا أعرفها. خلف الصورة مكتوب: **"جاردن سيتي 1982"**. ثم ورقة ثانية، قصاصة من جريدة قديمة عنوانها: *"اختفاء وريث عائلة السيوفي في ظروف غامضة.. وشبهة
أكمل مازن وهو يرتجف: "بابا ما كانش اسمه رفعت.. بابا كان ابن عيلة غنية جداً نفوذها واصل لكل حتة، وهرب من حياتهم ومن اسمهم وجاء هنا بدأ من الصفر.. هرب منهم بسبب مشاكل الورث، والظاهر إنهم لسه بيدوروا عليه.. وممكن يكونوا هما اللي وصلوا له في الآخر".
بدأنا نقرأ باقي الأوراق.. رفعت، أو ياسين السيوفي، كان الوريث الوحيد لعائلة السيوفي في الصعيد، عائلة تملك أراضي وأموالاً هائلة، لكن كان للعائلة قانون واحد: "الورث لا يخرج بره". ولكي يظل الورث محبوساً، كان لا بد لياسين أن يتزوج ابنة عمه "نعمات". لكن ياسين رفض أن يبيع قلبه مقابل فدادين. وفي رحلة للقاهرة هرباً من ضغط أهله، قابلني أنا.. "بثينة".
أكملت الرسالة بوجع: *"يا مازن، كان قدامي حلين: يا أما أتجوز بنت عمي وأعيش غني وميت من جوه، يا أما أهرب مع مامتك وأعيش فقير بس روحي فيا. اخترت الحب.. اخترتكم. هربت وغيرت اسمي لرفعت، وقطعت كل خيط يوصلهم بيا."*
أخرج مازن من قاع الصندوق خريطة قديمة مرسومة باليد، ومعها عقود ملكية أصلية موثقة بختم النسر القديم، باسم **ياسين كمال السيوفي**. كانت الأرض تسمى "الدهبية"، ومساحتها 500 فدان من أجود أراضي الصعيد. كتب الأب في رسالته الأخيرة: *"يا ابني، الورث ده حقك، وحق تعب أبوك اللي عاش غريب. خده، بس
في صباح اليوم التالي، لم يكن هناك وقت للدموع. توجهنا لمكتب المستشار **رأفت الهواري**. نظر المستشار للورق بذهول وقال: "يا مازن بيه، أبوك الله يرحمه كان عبقري.. هو مكنش بس مخبي الورق، هو كان موثق كل قرش باسمه الحقيقي في سجلات قديمة محدش يقدر يزورها. الورق ده يهد سرايا السيوفي كلها".
بدأت الإجراءات فوراً بإنذار رسمي، وانقلبت الدنيا في الصعيد. قبل الغروب بيومين، كانت هناك سيارات سوداء فخمة أمام بيتنا. لم يأتوا بالسلاح، بل بشنط مليئة بالأموال ومحاولات للصلح مقابل التنازل عن القضية.
دخل مازن الصالة، وبكل هدوء وبرود قال للوسطاء: "أبويا ساب العز ده كله عشان كرامته وعشان الست اللي حبها.. تفتكروا أنا هبيع كرامة أبويا بشوية فكة؟ نتقابل في المحكمة.. الأرض دي هترجع، والاسم اللي حاولتم تمسحوه، هيفضل محفور على بوابة السرايا".
انصرفوا وهم يتوعدون بشرارة نار ستأكل الأخضر واليابس. الآن، القضية في المحاكم، والتهديدات لا تنتهي، وأخبار "الدهبية" على كل لسان. لسنا نعرف ماذا يخبئ الغد، لكن شيئاً واحداً أعرفه وأنا ألمس الصندوق الخشب لآخر مرة.. إننا خلاص لن نختبئ ثانية.
فتحت مذكراتي وكتبت: **"السر الذي عاش سنين في صندوق، خرج وبقي حقيقة تطارد الكل.. والورث ليس فقط أرضاً وفلوساً، الورث هو أنك تقدر تبص في مرايتك وأنت عارف إنك ما خنتش أمانة