صاحبة الفضل
كنت واقفة في الطابور في السوبر ماركت وشايلة ابني اللي عنده تلات سنين، وكنت بدعي بيني وبين نفسي إنه ميحدفش كيس لبان تاني في العربية. كان يوم من الأيام اللي بتبقى مقفلة دي، يوم طويل، ومفيش طاقة، ومعاييش فلوس تقريباً لحد يوم الجمعة.
الست اللي كانت واقفة قدامنا كان باين عليها في السبعينات. عربيتها مكنش فيها غير الحاجات الأساسية بس: عيش، لبن، شوربة معلبة، كيس بطاطس، وفطيرة تفاح واحدة. كانت بتتحرك ببطء وعينها على الشاشة مع كل صنف بيتمسح. لما المبلغ الإجمالي ظهر، اتسمرت مكانها. طلعت الكارت وحاولت تدفع.. "مرفوض". الكاشير جرب تاني.. نفس النتيجة.
الناس اللي في الطابور بدأت توشوش، وراجل واقف ورانا برطم وقال: "بجد؟ هو كل مرة كدة!"، وست تانية نفخت بصوت عالي: "لو مش معاكي تمنهم، متعطليش الناس!". إيد الست العجوزة كانت بتترعش وهي بتمتم بصوت واطي: "ممكن أرجع الفطيرة..."
من غير ما أفكر ولا أتردد، قلتلها: "متشغليش بالك، أنا هدفع الحساب." طلعت الكارت بتاعي ودفعت. الكاشير استغرب بس مقالش
بعد يومين، رجعت لنفس السوبر ماركت مع ابني، وفجأة ابني صرخ وهو عينه مبرقة من الانبهار: "واو! ماما، بصي!". بصيت مكان ما بيشاور واتسمرت مكاني.
عند المدخل بالظبط، مكان ما بيحطوا عروض الخصومات، كان فيه ترابيزة صغيرة مفروشة بمفرش نضيف عليه ورد. وفوقيها كان فيه فطائر بيتي متصنفة بنظام: تفاح، خوخ، وحتى توت. وورا الترابيزة.. كانت واقفة الست العجوزة.
بس شكلها كان متغير. مش صغرت في السن ولا بقت غنية، بس كانت "خفيفة"، كأن فيه حمل تقيل انزاح من على كتافها. كانت واقفة مفرودة أكتر، وشعرها الأبيض متسرح بنظام، وعينيها فيها دفا وحيوية. وكان فيه ورقة مكتوبة بخط الإيد قدامها: "فطائر بيتي.. شكراً لذوقكم".
قلبي دق بسرعة. هي رفعت عينها وأول ما شافتني
نظرتها هديت لثانية وكملت: "بعد ما مات.. بطلت كل حاجة. الخبيز، البيع.. بطلت أعيش أصلاً بشكل ما." مكنتش عارفة أرد أقول إيه. كملت كلامها: "بس اليوم ده، لما أنتي دفعتي حسابي.. رجعت البيت وبصيت لفطيرة التفاح اللي كنت خلاص هسيبها، وقلت لنفسي: أنا بعمل في نفسي كدة ليه؟"
شاورت على الترابيزة وقالت: "فخبزت. بدأت بفطيرة واحدة ليلتها، وبعدين اتنين الصبح. وجيت هنا سألت المدير لو ينفع أبيعهم قدام المحل." سألتها: "ووافقوا؟". قالت بابتسامة صغيرة: "عرفوني.. افتكروني من أيام زمان."
ابني شدني من لبسي وقال: "ماما.. ممكن ناكل واحدة؟". الست ميلت عليه وعينيها بتلمع: "عشانك يا بطل، دي هديتي ليك." رفعت فطيرة تفاح صغيرة
سحبت إيدها براحة وقالت بصوت هادي بس فيه إصرار: "لأ.. المرة اللي فاتت أنتي اديتي من غير ما تستني حاجة. المرة دي.. سيبيني أعمل زيك." سكت ومجالستش.. كان فيه حاجة في نظرتها مش فخر ولا رد جميل، كانت "كرامة".
هزيت راسي وقلت: "شكراً ليكي." ادت الفطيرة لابني اللي مسكها كأنها أغلى حاجة في العالم. وقبل ما نمشي، لمست دراعي براحة وقالت بصوت واطي: "عارفة، الناس فاكرة إن الجبر والجدعنة فلوس وبس.. بس الحقيقة لأ. الموضوع كله إنك تحسس اللي قدامك إنه لسه ليه قيمة."
عيني جت في عينها وكملت: "اليوم ده، أنتي مش بس ساعدتيني أجيب طلبات البيت.. أنتي ساعدتيني أفتكر أنا مين."
خرجنا من المحل، وشمس العصاري كانت مدفية وشوشنا. ابني بص لي وهو بيضحك وقال: "ماما.. إحنا خلينا تيتة مبسوطة، صح؟". ابتسمت له وأنا ببعد شعره عن قورته وقلت: "أيوه يا حبيبي.. حصل."
بس من جوايا، كنت عارفة الحقيقة. ساعات، أصغر فعل خير مش بس بيغير يوم حد.. ده ممكن يرجعله